تاريخ الاضافة
الخميس، 19 أبريل 2012 04:08:43 ص بواسطة السيد عبد الله سالم
0 629
راهب النخيل
أشيخٌ من الأزمان والناس ساخرُ
لهول الذي كابدتَ؟ أم أنتَ طائرُ
تطيّر منك العالمون فأرجفوا
بنحسك حتى قيل بالحظّ كافرُ
ومازال منهم من يراكَ كأنما
أحست دبيب الموت فيهِ المشاعرُ
ومن يهجر الدنيا إذا كنت ضيفها
وأنت بهذا الكون سأمانُ هاجرُ
تُطلّ بعينٍ مِلؤها السخر بالورى
وأخرى بها للناس لحظٌ محاذرُ
وتستشرف الوديان لا قلبك ارتوى
هدوءاً ولا اهتزّت لديكَ المخاضر
ولا جادك الفيء الظليل بجوسةٍ
تقرّ بها عينٌ وتهدأ خاطر
ولا المرجُ حيّاك الغداة بأيكةٍ
تروّح فيها عن شجاكَ الأزاهرُ
ولا نلتَ رزقاً لمْ يغيّب نعيمهُ
حذارك أن تلقى عليه النواظرُ
فيوماً من الناطور تحيا مفزّعاً
تميل فتثْنيكَ الجدودُ العواثرُ
ظلالٌ وأثمارٌ ونبعٌ وجنةٌ
وصمتٌ على البستان ريّان ناضر
وخمر على شط الكروم سجينةٌ
تكادُ لنجواها تهيج السرائر
مختمة الأقداح نامت غصونُها
فأيقظها زَفزاف ريحٍ مسافر
تحنّت دواليها وحنّت ظلالها
إلى رشفةٍ مخبوءةٍ لا تُعاقر
وجنّت سواقيها فأنّت وأقسمت
إذا لم تذقها لا رعاها التصابر
يرنّ على أعنابها الفيح ساجع
تنادِمهُ كأس الضحى وتسامر
تغنّى بها شادٍ وتمتم في الربى
يمامٌ على عنقودها ذاكرُ
كأنّ رباها مرضعاتٌ كأنّما
عناقيدها أملاك مهد ٍ طواهرُ
كأن بشط النيل أقدس حانةٍ
إلى اليوم لم يلمس بها الكأس فاجرُ
حرمتَ طلاها وانتشت برحيقها
أبابيل من نحل الضحى وقنابر
وما يفعل الظمآن والنبعُ سلسلٌ
إذا مال والحظ المخيّب عاثر
عيونٌ بظل الكرم يا صاح أوشكتْ
تواسيك منها أدمعٌ ومحاجرُ
وفرعٌ من الجمّيز أطلسُ واجمُ
حواشيه أنفاسٌ عليك زوافر
وصبّك هذا النخل إني أحبهُ
وبي ما بهِ وجدٌ لبلواك ساعر
تظلّ على عرجونهِ متأرجحاً
خطيباً فتحنو أغصنٌ ومنابر
وتنعق في أظلالهِ متصايحاً
فيحسب أن شدت عليه المزاهرُ
وراح رخيم الكفّ والصوت والصدى
تُناديه ألحان الخلود السواخر
فتخشع أهداب الجريد كأنّما
تودّع نعش الريح منك المناقرُ
وتأوي إليهِ في الهجير فترتوي
من الظلّ حيث الظل أفيحُ عاطرُ
على شاطيءٍ لا ماء فيه وإنما
مواردُ خُيّاب الحظوظ مصادرُ
فتُسقى هدوءًا عنده وسكينةً
وأمناً لديه يستقرّ المهاجر
وتسقيه شأن الغادرين لجاجةً
وفي الطير ما في الناس وافٍ وغادر
نعيقٌ ولغوٌ أعجمت نبراتهُ
وطال ولم يكشف خباياهُ ساحر
تخطته أحقاب ومرت أدهر
وظل ولغزٌ منه للكون قاهرُ
فَمِنْ قائلٍ: بينٌ مُشتٌ وفرقةٌ
ومِنْ قائلٍ شؤمٌ على الأرض طائرُ
ومن قائلٍ لا البين لا الشؤم إنما
بهذا الصدى النعاب أولى المقابرُ
وأنتْ كمثلي هاربٌ من فضولهم
جوابك للأكوان إني ساخر
فدعهم يلوكون الحديث وأصغ لي
فما منهمُ للسمع إلا التهاتر
لهم فلسفاتٌ انت ضلّلت رشدها
بسرٍ تناهت في مداه الخواطر
وعقلٌ إذا ما رفّ سقطك لم يزل
يراوغهُ طيفٌ من الشك عابر
يهمّ إلى الأستار يكشف غيبها
فيصعقه غيبٌ على الغيب ساتر
ويمضي بكبرٍ في الحجا فيصُدُّهُ
ويُرديه كبرٌ في المقادير ظافر
فسرك لو يدري الألى ظلُّ ريشةٍ
بعشّك هاجتها الرياح الزوافر
ورقشٌ على الكثبان خلّفت رسمَه
يذرّيه رملُ الزعزع المتطاير
فطر في البراري كيف شئت وغادني
إذا عدتَ بالغيب الذي أنت ناظر
فما لك غيري في البرايا متيمٌ
وإن كنتَ تجفو عزلتي وتهاجر
ولي فيك دنيا من خيالٍ بظلّها
ىزوارق للشطّ الخفيّ سوائر
حدتْهن ريحٌ من مسابح عبقرٍ
بمثل صداها ما تغنّى مسافر
إلى الخلد أو منه تهُبّ فواتني
بعلمك عنها إنني اليوم حائر
لها الوحيُ نوتيٌ وظلٌّ شراعها
على الدهر ممدود التظاليل غامر
عبرت بها الأجيال أنشُد شاطئي
ودون مداه أتعبتني الأداهر
فيا راهب الأزمان كشّف ستورها
وأفصح فإنّ العقل حيران سادر
ودعني وسرًّا في الليالي دفنتهُ
سيبعثُه نايٌ بكفّيّ صافر
وإلهامُ شعرٍ بين جنيّ دافق
عليه رحيق الخلد سكرانُ ساكرُ
إذا أنا لم أكشف سرائرك التي
شدهت بها الدنيا فما أنا شاعر
***
تعالَ فطارحني الأحاديث في الورى
فَمِنْ دهرهمْ فاضت لديك النوادرُ
عبرت فضاء الله من عهد آدمٍ
ومن قبله ملّت خطاك المعابرُ
وجئت بأمر الله في الأرض هادياً
تداري وتأسو ما جناهُ التناحرُ
رأيت طريحاً في الترابِ معفّراً
تنوح عليه السافياتُ الثوائرُ
هوَ البذرةُ الأولى على الشاطيء الذي
بمسراهُ شلاّلُ المنيّات هادر
تمرّ بهِ الأيامُ خرساءَ رهبةً
كما في رحاب القُدس أطرق سائرُ
ويهوي به ركبُ الحياةِ كما هوى
من الأفق كفّنته الدياجرُ
هو الرشفة الأولى لعزريل من دمٍ
بهِ الإثم دقّاقٌ من الإنس فائر
هو الكرمة الأولى على ملعب البلى
تحسّى حميّاها تقيٌّ وفاجر
هو الموت ساقٍ فوق أعتاب حانهِ
سواءٌ صعاليك الورى والقياصر
يموت ضياءُ الشمس إن مسّ دنّه
ويفنى البلى إن لامسته الحفائر
رأيتَ صريعًا ذاق من فيهِ قطرةً
فنام ومن بلواهُ قابيل ساهر
ينادي له الدنيا: تعالي وستّري
منَ الأرض جُرحاً أثخنتهُ الهواجرُ
قتيلٌ بكفّي رحت ندمان فوقه
وكادت لمرآه تشقّ المرائر
على الترب عريان الفناءِ كأنه
فناءٌ لدنيا الآدميين سافِرُ
أكاد وقد كفّنته بخواطري
وفي الكرب قد تأسو وتبرى الخواطرُ
أفُضُّ له مِنْ مُهجتي سابريّةً
تُغطّيه لكنّي من الضعف خاسر
أ هابيل ما ذنباً جنيتُ على أخي
ولكنّ سهماً أنفذته المقادرُ
وياربّ غفرانَ السماءِ ورحمةً
وستراً فمالي غيرُك اليوم ساترُ
فيا كاهن الأيام جئت معلماً
لقابيل يقضي بالذي أنت آمر
دُعيت بأمر الله تحفر في الثرى
فتسكبُ نورَ الرشد منك الأظافرُ
نقشتَ على الكثبان خطّاً تهلّلتْ
وقرّت لمرآهُ النفوس الحوائرُ
فواريتَ للإنسان في مثلهِ أسًى
ويأساً وسوءًا ما وعتهُ الكبائرُ
وأصبح تابوت الزمان ومضجعاً
على مهده يغفو الألى والأواخرُ
عشقت كراهُ غير أني أخافُهُ
وأخشى لينساني البلى وأُحاذرُ
فأحلُمُ بالدنيا كما كنت فوقها
وتفدحني منها الخطوب الجوائرُ
سلاماً قسيمي في الحظوظ وصاحبي
وقد أرخصت عهدي القلوب الغوادرُ
عشقتك منذ النخل مدّ ظلاله
عليّ تُغاديني به وتباكر
وتسبق حبو الشمس فوق جريده
ليختلس الأثمارَ في الروض ماكر
ومذ كانَ لي في الكوخ عهدٌ فقدته
فسلْ عنه تنبيك الليالي الغوابرُ
صلاتي به في سنبل الحقل لم تزلْ
تسابيحها تغذو المنى وتسامر
ونوحي على الدولاب دارت بشيخهِ
صروف الليالي وهو في الذل دائرُ
قواديسه تروى الربى وهو ظاميءٌ
وأنّاته جزاعةٌ وهو صابرُ
وفي مرجه الفلاح يشدو قناعةً
وتشدو بجفنيه الدموع الهوامر
سليبٌ من الأستار إلا ذؤابةً
عليها صراخُ البؤس في الكون ساعر
وفأسٌ بكفّيهِ يكادُ حديدها
يسيل ودمع الظالمين مُكابرُ
يُخطّط في القيعان أسطارَ شقوةٍ
لها الظُّلمُ وحيٌ بالرّزيّات هامرُ
قصائد من شعر الهوان نشيدُها
إذا رَنّ ماتت في أساها القياثرُ
لها عرق المسكينِ دمعٌ أذلّهُ
مِنَ القلبِ ظلاّمٌ على الأرض جائرُ
مراثٍ أصمّ الناس عنها جنانهم
ورنّتْ بها فوق السياجِ العصافرُ
لأقسمتُ ياشيخ العصور تُذيعها
وتنعي بها فوق السها وتُجاهرُ
فقد طال نسيان الورى لأنينها
ورنّت بشكواها الطلولُ الدّواثرُ
وعطرٍ لديهِ الطيبُ نشوانُ ذاهلٌ
تُجنُّ عليه في الذهول الخواطر
على أغصن الليمون غنّى خيالُهُ
فضاعت بأحلامي لديهِ المجامرُ
رشفتُ شذاهُ مرّةً فلحظتني
فتيّمتَ إحساسي وطرفُكَ ناظرُ
وأوشكتُ أجثو من خشوعٍ فخلتني
عدوّكَ فازورّت لديك النواظرُ
وطرت وخلّفت الخيال وذِكرةً
على العشب تُشجيهِ فهل أنت ذاكرُ
***
أحاجيك ما قسيسُ ديرٍ مُسُوحهُ
وشائعُ من فنّ السماء سواحرُ
تشيب لِحى الأحقاب وهي شبابُها
على الدهر جُنحٌ أسحمُ الصبغ عاكرُ
ويفنى ظلام الليل وهيَ ظلامها
خضمٌّ على آبادها يتقاطرُ
تسابيحهُ في الدّيرِ غاقٌ وإنها
لأسطورةٌ مجنونةٌ تتهاترُ
له صلواتٌ في البراري وعزلةٌ
تُساءلُ عنها في الجبال المغاورُ
ونوحٌ على صمتِ الكهوفِ كأنّهُ
يؤبنُ ميتاً شيّعتهُ السرائرُ
وزهدٌ على سدر الصّحارى كأنّهُ
على رملها أحلامُ جنٍّ سواكرُ
ونقرٌ على الأكفانِ والجثثِ التي
جفتها ولم تستر رداها المقابرُ
وحجلٌ إذا ما سارَ تحسبُ نقشهُ
أنا بيش رمّالٍ غزتها الأعاصرُ
فيا راهب الأجيالِ إن كنت مثلما
نعتُّك فليشفِ الغليل التنادرُ
أجيني على أُحجيّتي واحك مثلها
فمن فيك يحلو لي الصدى والتسامرُ
فقال: أنا القسيسُ والكون معبدي
وبالشرع في ديني البرايا كوافرُ
فأنصت انجوايَ الغداة لعلّما
يُهدهد جرحاً في حشايا التناظرُ
أُحاجيك َ ما طيرٌ على النيلِ شاردٌ
جفتهُ عشاشٌ في الحمى ومعابرُ
يرفّ على الأكواخِ تُدمي نشيدَهُ
أماسٍ صريعاتُ المنى و بواكرُ
تغنّى طويلاً بالأسى في ظلالها
فغصّت بأنّات اللون الحناجرُ
ومال إلى دنيا الحضارةِ نجوهُ
فأشجتهُ أطماعٌ بها وتهاترُ
وقومٌ على زيفِ المناصبِ حوّموا
وهاجوا على بهتانها وتناحروا
ومن خلفهم جيشٌ من البؤس والضنى
وهول العوادي مضرمُ القلبِ ثائرُ
فلولٌ من الأبشار ساق حُطامها
وأغرقهُ لجٌّ من الظلمِ زاخرُ
وقطعانُ إنسٍ للفجور تواكبت
كما دفّ سربٌ للينابيعِ صادرُ
فرّوع قلب الطير منها وأصبحت
قياثيرهُ خرسُ الأغاني خوادر
فمال إلى عشٍّ تحنُّ لطهرهِ
وتهفو إليهِ في البروجِ الحرائرُ
به ضبّةٌ عذراءُ من طبّها ارتوت
وضاعت على نسكِ الغرامِ المباخرُ
أست جرحه الدامي وواست شجونهُ
ونسّتهُ ما جرّت عليه الحواضرُ
ودارت على العشّ الليالي فأضرمتْ
بدنياهُ أنفاسُ الرياح السواعرُ
فأصبح مفطور الأغاني مشرداً
على الأفق طيرٌ عن مغانيه نافرُ
أجبني على أحجيّتي وانضُ سرّها
فإن لم تُكشّفهُ فما أنت شاعرُ
فقلت: أنا الطير الشريد وهذه
بلادي يشقى في حماها العباقرُ
أعيشُ بها أستمريءُ الحظّ صدفةً
كما عاش من سفى البيادر طائرُ
فلاَ الحظُّ واتاني! ولا اليأسُ صدَّنِي !
كأَنَّي على خُضْرِ الرّوَابِي مُقَامِرُ
[الغراب]
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود حسن أسماعيلمصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث629
جميع الحقوق محفوظة لبوابة الشعراء .. حمد الحجري ©