تاريخ الاضافة
الخميس، 17 أبريل 2014 07:18:32 م بواسطة حمد الحجري
0 142
أَبرَمتُ عَهداً جَديداً طَيِّبَ الأَثَرِ
أَبرَمتُ عَهداً جَديداً طَيِّبَ الأَثَرِ
بَينَ القَوافي وَبَينَ الكَأسِ وَالوَتَرِ
أَهَبتُ بِالشِعرِ فَاِنقادَت شَوارِدُهُ
في مَحفَلٍ بِعَذارى الوَحيِ مُزدَهِرِ
أَصوغُهُ مِن شُعوري غَيرَ مُدَّخرٍ
مِن سانِحاتِ القَوافي أَيَّ مُدَّخرِ
حَرَّرتُ رِبقَتَهُ مِن كُلِّ شائِبَةٍ
فَما فتِنتُ بِمَعنى غَيرِ مُبتَكَرِ
وَلا دَعَوتُ إِلى التَجديدِ مُعتَصِماً
مِنهُ بِكُلِّ بغيضِ السَبكِ وَالصُوَرِ
وَلا هَذَيتُ بِأَبياتٍ أُرَدِّدُها
مِن كُلِّ مُضطَرِبٍ صَعبِ القِيادِ زَري
وَلا اِعتَدَيتُ عَلى الأَنغامِ أَشنُقُها
وَلا صَلبتُ الدُجى في دَوحَةِ القَدَرِ
وَلا شَرِبتُ شُعاعَ الشَمسِ في قَدَحٍ
مِنَ اللَهيبِ وَنَحوَ الشَمسِ لَم أَطِرِ
وَلا رَكَعتُ بِمِحرابِ الغَرامِ عَلى
عِطرٍ مِنَ الوَلَهِ النُسكِيِّ مُستَعِرِ
إِن يَحرِ بِالأَدَبِ الغَربِيِّ طابعُهُ
فَالشَرقُ بِالطابَعِ الغَربِيِّ غَيرُ حَري
شَوارِدُ الضادِ شَتّى لا عِدادَ لَها
لَيسَت فَرائِدُها مِلكاً لِمُحتَكِرِ
فَاِختَر لِشِعرِكَ مِنها ما يُناسِبُهُ
وَاِحرِص عَلى جَودَةِ التَركيبِ أَو فَذَرِ
دَعِ القَلائِصَ وَالأَحداجَ مُكتَفِياً
بِما يُلائِمُ روحَ العَصرِ وَاِقتَصِرِ
فَالشِعرُ إِن لَم يُسايِر روحَ نَهضَتِهِ
كَالغُصنِ جُرِّدَ مِن نَورٍ وَمِن ثَمَرِ
إِن يَصبُ غَيري فَإِنّي ما صَبَوتُ إِلى
عَهدِ النَجائِبِ وَالوَخّادَةِ النُزُرِ
وَلا تَقَدَّمتُ عَصري في تَقَدُّمِهِ
وَلا تَأَخَّرت عَن عَصري فَلَم أَسِرِ
وَلَم أَقُل إِن جَفَتني مَن أَهيمُ بِها
يا قَلبُ ذُب أَلَماً يا أَدمُعُ اِنهَمِري
باتَ المُعَنّى طَريدَ الهَمِّ مُكتَئِباً
وَبِتُّ في الحانِ خِلوَ البالِ وَالفِكرِ
وَهى فَلَم يَستَطِع صَبراً وَلا جَلَداً
وَما وَهى جَلَدي أَو عيلَ مُصطَبَري
وَلا وَقَفتُ عَلى الأَطلالِ أَندُبُها
وَلا بَكَيتُ عَلى عافٍ مِنَ الأَثَرِ
وَلا مَرَرتُ عَلى بَيداءَ موحِشَةٍ
وَلَم أَعُج بِخِيامِ الحَيِّ مِن مُضَرِ
وَلا أَثارَ شُعوري رَسمُ دارِسَةٍ
ما لي وَلِلبيدِ وَالأَطلالِ وَالحُفَرِ
وَلِلكُؤوسِ الَّتي ما في قَرارَتِها
إِلّا شُعاعُ الضُحى أَو مَدمَعُ الزَهَرِ
ما لي وَلِلقَدَحِ الرَمزِيِّ لا وَقَعَت
عَيني عَلَيهِ وَلَم يَعلَق بِهِ بَصَري
أَترع لِيَ الكَأسَ صِرفاً وَاِسقِني عَلَلاً
عَلى شَفا جَدوَلٍ بِالزَهرِ مُؤتَزِرِ
في رَوضَةٍ طَرّزَ الرَيحانُ بُردَتَها
وَأَرَّجَتها عُيونُ النَرجِسِ العطرِ
وَهاتِها عَلَناً صَهباءَ صافِيَةً
طالَ الإِسارُ بِها في سِجنِها الأَسَري
زُجاجَةٌ لَو دَرى الخَمّارُ قيمَتَها
أَمسى عَلَيها شَديدَ الحِرصِ وَالحَذَرِ
قدَيمَةُ العَهدِ ما فُضَّت بَكارَتُها
طافَ الحَبابُ بِها كَالأَنجُمِ الزُهُرِ
تَدعو الشِفاهَ إِلى تَقبيلِ مَبسِمِها
بِسائِغٍ مِن دَمِ العُنقودِ مُعتَصرِ
كَم دارَ في خَلَدي ما زادَني شَغَفاً
بِها وَفي خَلَدِ الخَمّارِ لَم يَدُرِ
تَخالُها في وِعاءِ الثَلجِ نائِمَةً
وَسنى عَلى مَضجَعٍ مِن مائِهِ وَثِرِ
حَتّى إِذا نَضَحَت من بردِهِ عَرقاً
حَسِبتها لَبِسَت وَشياً مِنَ الدُرَرِ
لَها عَلى السَكبِ في الأَقداحِ قَهقَهَةٌ
كَأَنَّها ضَحِكاتُ الهازِئِ الهَذِرِ
أَتُشعِلُ الجِسمَ ناراً وَهيَ بارِدَةٌ
فَيا لمَقرورَةٍ أَورى مِنَ الشَرَرِ
مَن لي بِعُذرٍ فَأَنساها وَقَد عَذُبَت
طَعماً فَما تَرَكَت عُذراً لِمُعتَذِرِ
تُديرُها غادَةٌ هَيفاءُ فاتِنَةٌ
تُغنيكَ طَلعَتُها عَن مَطلَعِ القَمَرِ
ما أَنسَ لا أَنسَ يَوماً زُرتُ حانَتَها
في جُنحِ لَيلٍ عَليلِ النَجمِ مُعتَكرِ
يَقودُني نورُها وَالشَوقُ يَدفَعُني
دَفعاً لِأَقضِيَ مِن لَذّاتِها وَطَري
دَخَلتُ فَاِستَقبَلَتني مِن مَفاتِنِها
بِفائِحٍ مِن عَبيرِ الخَمرِ مُنتَشِرِ
وَرائِحٍ مِن دُخانِ التبغِ تَحسَبُهُ
سُحباً مِنَ الغَيمِ قَد أَشفَت عَلى المَطَرِ
وَالقَومُ ما بَينَ مَذهولٍ وَمُنسَجِم
وَماجِنٍ قَد سَلا الدُنيا وَمُفتَكِرِ
دَقّوا الكُؤوسَ وَراحوا يَضحَكونَ لَها
ما بَينَ مُختَبِلٍ يَهذي وَمُفتَخِرِ
تَناثَروا شِيَعاً في العَيشِ وَاِجتَمَعوا
حَولَ الزُجاجَةِ عِقداً غَيرَ مُنتَثِرِ
جَلَستُ مُنزَوِياً في رُكنِ حانَتِها
وَبادَرَتني بِلَحظِ الفاحِصِ النَكِرِ
وَبادَلَتني سَلاماً لَيسَ يَفهَمُهُ
إِلّا اللَبيبُ وَإِلّا كُلُّ مُختَبِرِ
وَجالَسَتني وَهَشَّت غَيرَ حافِلَةٍ
بِغَيرِ حَملي عَلى الإِشرافِ في السَهَرِ
وَاِستَدرَجَتني إِلى ما لَستُ أَذكُرُهُ
وَاِفتَرَّ ضاحِكُها عَن لُؤلُؤٍ نَضِرِ
لها حَديثٌ يُثيرُ الوَجدَ ماجِنُهُ
تُغريكَ رِقَّتُهُ بِالشُربِ وَالسَمَرِ
وَمَبسِمٌ حَيثُما مالَت بِهِ تَرَكَت
مِن صبغِهِ أَثَراً يُغني عَنِ الخَبَرِ
كَأَنَّهُ بِدَمِ العُشّاقِ مُختَضِبٌ
عَذبُ المُقَبَّلِ أَمّا رَشفُهُ فَمَري
غَنيتُ عَن كُلِّ نُقلٍ بِاِبتِسامَتِهِ
وَما تَضَوَّعَ مِن فَوّاحِهِ العَطِرِ
وَأَعيُنُ القَومِ لا تَنفَكُّ تَرشُقُنا
بِأَسهُمٍ لَم تَطِش مِن لحظِها الشَزِرِ
حَسناءُ ما حاطَبَت عَينَيكَ مُقلَتُها
إِلّا أُخِذتَ بِما تَحويهِ مِن حَوَرِ
إِن تَنضَبِ الكَأس لَم تَنضَب مَراشِفُها
أَو غارَتِ الشَمسُ لَم تَأفُل وَلَم تَغُرِ
تَرنو إِلَيكَ بِعَينِ الريمِ باسِمَةً
وَتَستَبيكَ بِلَحظٍ مِنهُ كُلَّ مُستَتِرِ
تُدِلُّ في خَفَرٍ وَهيَ الَّتي جَمَعَت
كُلَّ المَفاتِنِ غَيرَ الدَلِّ وَالخَفَرِ
تُلامِسُ العودَ كَفّاها فَتُنطِقُهُ
كَأَنَّما العودُ لَم يُقطَع مِنَ الشَجَرِ
وَيُرسِلُ الآهَ مِن أَوتارِهِ نَغَماً
فَكَيفَ لَو عَبثَت بِالشارِبِ السَكِرِ
تَكادُ أَلحانُها تُبكي وَلَو رَغِبَت
لَأَضحَكَتكَ بِأَلحانٍ لَها أُخَرِ
وَلِلصَبا رِقَّةٌ هَيهاتَ يَعرِفُها
إِلّا حَليفُ الصَبا مِن تِلكُمُ الزُمَرِ
وَلِلبَياتِ رَنينٌ كادَ ساحِرُهُ
يُذيبُ حَتّى صَميمَ الصُلبِ وَالحَجَرِ
كَأَنَّهُ تُرجمانُ المُعجَبينَ بِها
يَروي لَها عَن هَواهُم أَعذَبَ السِيَرِ
ما أَروَعَ العودَ لَو هاجَت بَلابِلُهُ
في حِجرِ غانِيَةٍ وَضّاحَةِ الغُرَرِ
فَاِستَلهِم الكَأسَ أَو فَاِستَوحِ مُقلَتَها
تَجِد مِنَ الشِعرِ ليناً غَيرَ مُنتَظَرِ
ما زِلتُ في حَيرَةٍ مِنها وَفي عَجَبٍ
حَتّى اِنتَشَيتُ فَلَم أَعجَب وَلَم أَحَرِ
وَرُحتُ في شِبهِ إِغماءٍ كَأَنَّ يَداً
شَدَّت عَلى عُنُقي في عُنفِ مُهتَصِرِ
ما بالُ غَربِ لِساني لا يُطاوِعُني
وَكُنتُ أَحسَبُهُ كَالصارِمِ الذَكَرِ
مُكَبَّلٌ يَتَلَوّى في فَمي حَصِراً
ماذا رَماهُ بِهذا العِيِّ وَالحَصَرِ
هَل مادَتِ الأَرضُ فَاِهتَزَّت بِآهِلِها
لا إِنَّها لَم تَدُر بَل خانَني نَظَري
وَقُمتُ أَخطو كَما يَخطو الكَسيحُ وَقَد
خارَت قُوايَ وَلَولا السُكرُ لَم تَخُرِ
أَجُرُّ نَفسي وَئيدَ السَعيِ مُرتَنِحاً
تَخالُني حافِياً يَمشي على إِبَرِ
وَعِفتُ كَأَسي فَقالَت لي وَما صَدَقَت
إِشرَب وَلا تَخشَ لَومَ العاذِلِ الأَشِرِ
وَقُل هِيَ الخَمرُ كَم طابَت لِشارِبِها
وَاِصرَع بِها دَولَةَ الأَحزانِ وَالكَدَرِ
لَو أَنَّها ضَرَرٌ ما قالَ خالِقُها
فيها مَنافِعُ لا تَخفى عَلى البَشَرِ
وَلَم يُمَنِّ التُقاةَ المُؤمِنينَ بِها
وَلا جَرَت مِن جِنانِ الخُلدِ في نَهَرِ
وَلا أُتيحَ لِنُوحٍ عَصرُها قِدَماً
وَلا تَذَوَّقَها مِن سالِفِ العُصُرِ
وَلَم تُعَتَّق بِدَيرٍ وَهيَ مُسكِرَةٌ
وَلا تَجَرَّعَها الرُهبانُ في السَحَرِ
وَلا أَباحَ لَنا عيسى تَناوُلَها
وَقالَ هَذا دَمي ما فيهِ مِن ضَرَرِ
أَغضَبتَ باكوسَ فَاِحذَر شَرَّ نِقمَتِهِ
أَو فَاِملأِ الكَأسَ تَأَمَنهُ وَلا تَثُرِ
فَقُلتُ حَسبُكِ هَذا الكُفرُ فَاِتَّئِدي
فَإِنَّما الخَمرُ إِثمٌ غَيرُ مُغتَفَرِ
ما سَرَّ مَشربُها حَتّى اِستَحالَ أَسىً
كَفى بِهِ خَطَراً ما فيهِ مِن خَطَرِ
كَم مِن غِنيٍّ صَحيحِ الجِسمِ عاقَرَها
فَغادَرَتهُ عَلَيلاً جَدَّ مُفتَقِرِ
وَكَم فَتىً أَيِّدٍ كَاللَيثِ مُقتَدِرٍ
عافَتهُ وَهوَ هَزيلٌ غَيرُ مُقتَدِرِ
كَم زَوجَةٍ سَلَبَتها زَوجَها فَغَدَت
عَلى الطوى وَالأَسى وَالسُقم وَالضَجَرِ
كَم طَوَّحَت بِفَتىً مِثلي وَكَم طَرَحَت
كُؤوسها في حَنايا السِجنِ مِن نَفَرِ
أَثيمَةُ الوَحيِ كَم مِن عادِلٍ لَعِبَت
بِهِ فَجارَ وَلَولا السُكرُ لَم يَجُرِ
زُجاجَةٌ لَو دَرى الخَمّارُ ما حَمَلَت
مِنَ القَذى وَالأَذى لَم يَنجُ مِن سَقَرِ
هَل في الزُجاجَةِ غَيرُ السُمِّ تَحسَبُهُ
ماءً تَحَلَّبَ مِن مُستَنقَعٍ قَذِرِ
لَها لَدى السَكبِ في الأَقداحِ حَشرَجَةٌ
كَأَنَّها زَفرَةٌ مِن صَدرِ مُنتَحِرِ
قَديمَةُ العَهدِ ما فُضَّت بَكارَتُها
كَعانِسٍ كَسَدَت مِن شِدَّةِ الكِبَرِ
تَخالُها حَيَّةً في الثَلجِ كامِنَةً
في مَسبَحٍ عَكِرٍ مِن مائِهِ العَكِرِ
ما كُنتُ أَعلَمُ أَنَّ السُمَّ خامَرَها
حَتّى سَقَطتُ صَريعاً شِبهَ مُحتَضِرِ
لا بارَكَ اللَهُ بَعدَ اليَومِ في قَدَحٍ
وَلا لَعاً لِهُواةِ الغيِّ وَالدَعَرِ
وَلا مَلامَ عَلى ما جِئتِ مِن نُكُرٍ
أَغراكِ بِالكَسبِ ما أَغراكِ بِالنُكُرِ
تَاللَهِ لَولا فَسادُ الناسِ قاطِبَةً
لَما اِندَفَعتِ بِهَذا المَسلَكِ الوَعِرِ
وَعُدتُ عَنها وَنَفسي جِدُّ دامِيَةٍ
مِمّا رَأَيتُ وَقَلبي جِدُّ مُعتَبِرِ
كَفى بِها عِظَةً ما بَعدَها عِظَةٌ
وَحَسبُها أَنَّها مِن أَبلَغِ العِبَرِ
لَقَد تَيَقَّنتُ أَنَّ الخَمرَ مَهلَكَةٌ
وَرُحتُ أَبكي عَلى ما فاتَ مِن عُمُري
وَقُلتُ حينَ طَرَحتُ الكَأسَ ناحِيَةً
أَبرَمتُ عَهداً جَديداً طَيِّبَ الأَثَرِ
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
فؤاد بليبلمصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث142