تاريخ الاضافةتاريخ التعديل
الخميس، 15 يوليه 2010 10:33:18 ص بواسطة المشرف العامالخميس، 15 يوليه 2010 05:33:28 م
1 3845
المتنبى والشهباء
نفيت عنك العلا والظرف والأدبا
وإن خلقت لها إن لم تزر حلبا
خذ الطريق الذي يرضى الفؤاد به
ولا تخف فقديما ماتت الرقبا
واسكب على راحتيها روح عاشقها
ومص من شفتيها الشعر والعنبا
أفدى الشفاه التى شاع الرحيق بها
وهم بالكأس ساقيها وما سكبا
كأنها نجمة طال السفار بها
عطشى رأت وهى تمشى منهلا عذبا
توسدت شقتيه بعدما نهلت
وفارقت صاحبيها الليل والتعبا
ما للشفاه الكسالى لا تزودنا
فقد حملنا على أفواهنا القربا
بمهجتي شفة منهن باخلة
جاران تحسبنا إن تلقنا غربا
أهم بالنظرة العجلى وأمسكها
إذا قرأت على ألحاظها الغضبا
أنا الذى اتهمت عيناه قلبهما
فرحت أخلق من نفسى لى الريبا
أأمنع الشفة الدنيا ولو طمحت
نفسي إلى شفة الفردوس ما انحجبا
ويمطر الضيم في أرضي وأشربه
وكنت لا أرتضي أن أشرب السحبا
ذر الليالي تمعن في غوايتها
فقد حشدت لها الأخلاق والعربا
شهباء لو كانت الأحلام كأس طلا
في راحة الفجر كنت الزهر والحببا
أو كان لليل أن يختار حليته
وقد طلعت عليه لا زدرى الشهبا
لو ألف المجد سفرا عن مفاخره
لراح يكتب في عنوانه حلبا
لو أنصف العرب الأحرار نهضتهم
لشيدوا لك في ساحاتها النصبا
لكن خلقت لأمر ليس يدركه
من يعشق الذل أو من يعبد الرتبا
تعرى البطولة إلا من عقيدتها
والجبن أكثر ما تلقاه منتقبا
ملاعب الصيد من حمدان ما نسلوا
إلا الأهلة والأشبال والقضبا
الخالعين على الأوطان بهجتها
الرافعين على أرماحها القصبا
حسامهم ما نبا في وجه من ضربوا
ومهرهم ما كبا في إثر من هربا
ما جرد الدهر سيفا مثل سيفهم
يجري به الدم أو يجري به الذهبا
رب القوافي على الإطلاق شاعرهم
الخلد والمجد في آفاقه اصطحبا
سيفان في قبضة الشهباء لا ثلما
قد شرفا العرب بل قد شرفا الأدبا
عرس من الجن في الصحراء قد نصبوا
له السرادق تحت الليل والقببا
كأنه تدمر الزهراء مارجة
بمثل لسن الأفاعي تقذف اللهبا
أو هضبة من خرافات مرقعة
بأعين من لظى أو من رؤوس ظبى
تخاصر الجن فيها بعدما سكروا
و بعدما احتدمت أوتارهم صخبا
فأفزع الرمل ما زفوا وما عزفوا
فطار يستنجد القيعان والكثيا
تكشف الصبح عن طفل وماردة
له على صدرها زأر إذا غضبا
كأنه الزئبق الرجراج فى يدها
أو خفقة البرق إما اهتز واضطربا
نادى ابوه عظيم الجن عترته
فأقبلوا ينظرون البدعة العجبا
ماذا نسميه قال البعض صاعقة
فقال كلا فقالوا عاصفا فأبى
فقام كالطود منهم مارد لسن
وقال لم تنصفوه اسما ولا لقبا
سنبعث الفتنة الكبرى على يده
فنشغل الناس والأقلام والكتبا
ونجعل الشعر ربا يسجدون له
فإن غووا فلقد نلنا به الأربا
واختال غير قليل ثم قال لهم
سميته المتنبي فانتشوا طربا
وزلزلوا البيد حتى كاد سالكها
يهوي به الرحل لا يدري له سببا
يرى السراب عبابا هاج زاخره
والرمل يلتحف الأزهار والعشبا
إيه أخا الوفرة السوداء كم ملك
أعاضك التاج منها لو بها اعتصبا
غضبت للعقل أن يشقى فثرت له
بمثل ما اندفع البركان واصطخبا
هل النبوة إلا ثورة عصفت
على التقاليد حتى تستحيل هبا
ما ضر موقدهاوالخلد منزله
إذا رمى نفسه في نارها حطبا
طلبت بالشعر دون الشعر مرتبة
فشاء ربك ألا تدرك الطلبا
إذن لأثكلت أم الشعر واحدها
وعطل الوكر لا شدوا ولا زغبا
لولا طماحك ما غنيت قافية
بوأتها الشمس أو قلدتها الحقبا
قد يؤثر الدهر إنسانا فيحرمه
من يمنع الشيء أحيانا فقد وهبا
أبا الفتوحات لم تزج الخميس لها
ولا لبست إليها البيض واليلبا
تأتى التخوم فتلقاها مهللة
مثل المريض أتاه بالشفاه نبا
ما الفتح أهدى إليك الروض والسحبا
كالفتح جر عليك الويل والحربا
ولو فتحت بحد السيف لانحطمت
تيجان قوم حشوعا الظلم والرهبا
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
ويدرك الغاية القصوى وما طلبا
خذ ما تراه ودع شيئا حلمت به
فرب حلم جميل أورث العطبا
يا ملبس الحكمة الغراء روعتها
حتى هتفنا أوحيا قلت أم أدبا
كأنما هي أصداء يرددها
هذا إذا بث أو هذا إذا عتبا
قالوا استباح أرسطو حين أعجزهم
وإنه استل من آياته النخبا
مهلا فما الدهر إلا فيض فلسفة
يعود بالدر منه كل من دأبا
من علم ابن أبي سلمى حكيمته
وقس ساعدة الأمثال والخطبا
يا خالقا جيله لولاك ما عرفت
له الأواخر لا رأسا ولا ذنبا
آمنت بالشعر مذ أنشاك آيته
وكان عرشا من الأصنام فانقلبا
أضرمت ثورتك الهوجاء فالتهمت
من القريض الهشيم الغث والخشبا
وغال شعرك شعر الكائدين له
لنفسهم حفرت أيديهم التربا
حتى رجعت وللأقلام هلهلة
فى كف أبلغ من غنى ومن طربا
عفوا نبى القوافي أى نابغة
لم يزرعوا حوله البهتان والكذبا
منعت عنهم ضياء الشمس فانحجبوا
فهل تلومهم إن مزقوا الحجبا
لم ألق كالشعر مظلوما فقد حشدوا
لحربه حسد الحساد والنوبا
يرمى بكل قبيح من مثالبهم
ويرفعون له الأنصاب إن ذهبا
مثل المسيح تغالوا فى أذيته
وألهوه ولكن بعدما صلبا
قالوا الجديد فقلنا أنت حجته
يا واهبا كل عصر كل ما خلبا
أفكرة لم تكن فتقت برعمها
وجدة لم تكن أما لها وأبا
بعض الجديد الذي يدعونه أدبا
يموت في يومه هذا إذا وهبا
إن لم يكن لك حسن الوجه تعرضه
فقد ظلمت به اثوابك القشبا
أتسعد الروضة الخضراء بلبلها
حتى يفي الروضة الشهباء ما وجبا
أيقنت أن سعيدا آخذ بيدى
لما سما بى إلى إخوانه النجبا
أتيتهم فكسوني كل سابغة
وكنت ألبسها لا تبلغ الركبا
تيها عروسة سوريا فقد حملت
لك القوافي على راياتها الغلبا
---------------------------
(1) ألقيت فى الحفلة التكريمية التى أقامتها عاصمة سيف الدولة فى تشرين الأول 1935 لصاحب الديوان
جميع الحقوق محفوظة لبوابة الشعراء .. حمد الحجري ©