تاريخ الاضافةتاريخ التعديل
الأحد، 19 يونيو 2005 09:26:50 م بواسطة حمد الحجريالخميس، 31 مارس 2016 01:40:47 م بواسطة حمد الحجري
0 5054
إفادة في محكمة الشعر
مرحبا يا عراق جئت أغنيك
وبعض من الغناء بكاء
مرحبا مرحبا أتعرف وجها
حفرته الأيام والأنواء
أكل الحب من حشاشة قلبي
والبقايا تقاسمتها النساء
كل أحبابي القدامى نسوني
لا نوار تجيب أو عفراء
فالشفاه المطيبات رماد
وخيام الهوى رماها الهواء
سكن الحزن كالعصافير قلبي
فالأسى خمرة وقلبي الإناء
أنا جرح يمشي على قدميه
وخيولي قد هدها الإعياء
وأنا الحزن من زمان صديقي
وقليل في عصرنا الأصدقاء
مرحبا يا عراق كيف العباءات
وكيف المها وكيف الظباء
مرحبا يا عراق هل نسيتني
بعد طول السنين سامراء
كيف أحبابنا على ضفة النهر
وكيف البساط والندماء
كان عندي هنا أميرة حب
ثم ضاعت أميرتي الحسناء
أين وجه في الأعظمية حلو
لو رأته تغار منه السماء
إنني السندباد مزقه البحر
وعينا حبيبتي الميناء
مضغ الموج مركبي وجبيني
ثقبته العواصف الهوجاء
إن في داخلي عصورا من الحزن
. فهل لي إلى العراق التجاء
وأنا العاشق الكبير ولكن
. ليس تكفي دفاتري الزرقاء
يا حزيران ما الذي فعل الشعر
وماذا أعطى لنا الشعراء
الدواوين في يدينا طروح
والتعابير كلها انشاء
كل يوم نأتي لسوق عكاظ
.. وعلينا العمائم الخضراء
ونهز الرؤوس مثل الدروايش
وبالنار تكتوي سيناء
كل عام نأتي فهذا جرير
يتغنى وهذه الخنساء
لم نزل لم نزل .. نمصمص شعرا
وفلسطين خضبتها الدماء
سقطت في الوحول كل الفصاحات
ومات الخليل والفرّاء
يا حزيران أنت أكبر منا
وأب أنت ماله أبناء
لو ملكنا بقية من إباء
لانتخينا لكننا جبناء
يا عصور المعلقات مللنا
ومن الجسم قد يمل الرداء
نصف اشعارنا نقوش وماذا
ينفع النقش حين يهوي البناء
المقامات لعبة والحريري
حشيش والغول والعنقاء
ذبحتنا الفسيفساء عصورا
. والدمى والزخارف البلهاء
نرفض الشعر كيمياء وسحرا
قتلتنا القصيدة الكيمياء
نرفض الشعر مسرحا ملكيا
. من كراسيه يحرم البسطاء
نرفض الشعر ان يكون حصانا
يمتطيه الطغاة والأقوياء
نرفض الشعر عتمة ورموزا
كيف تسطيع ان ترى الظلماء
نرفض الشعر أرنبا خشبيا
لا طموح له ولا أهواء
نرفض العاطلين في قهوة الشعر
دخان أيامهم وارتخاء
شعرنا اليوم يحفر الشمس حفرا
بيديه فكل شيء مضاء
شعرنا اليوم هجمة واكتشاف
لا خطوط كوفية وحداء
كل شعر معاصر ليس فيه
غضب العصر نملة عرجاء
ما هو الشعر؟ إن غدا بهلوانا
يتسلى برقصه الخلفاء
ما هو الشعر حين يصبح فأرا
كسرة الخبز همه والغذاء
وإذا اصبح المفكر بوقا
يستوي الفكر عنده والحذاء
يصلب الأنبياء من أجل رأي
فلماذا لا يصلب الشعراء
الفدائي وحده يكتب الشعر
وكل الذي كتبنا هراء
إنه الكاتب الحقيقي للعصر
ونحن الحجّاب والأجراء
عندما تبدأ البنادق بالعزف
تموت القصائد البلهاء
ما لنا؟ مالنا نلـومُ حـزيرانَ
و في الإثمِ كـلُّنا شـركاءُ؟
من هم الأبرياءُ؟ نحنُ جميـعاً
حامـلو عارهِ ولا اسـتثناءُ
عقلُنا، فكرُنا، هزالُ أغانينا
رؤانا، أقوالُـنا الجـوفـاءُ
نثرُنا، شعرُنا، جرائدُنا الصفراءُ
والحـبرُ والحـروفُ الإمـاءُ
البطـولاتُ موقفٌ مسرحيٌّ
ووجـوهُ الممثلـينَ طـلاءُ
وفلسـطينُ بينهم كمـزادٍ
كلُّ شـارٍ يزيدُ حين يشـاءُ
وحدويّون! والبلادُ شـظايا
كـلُّ جزءٍ من لحمها أجزاءُ
ماركسيّونَ! والجماهيرُ تشقى
فلماذا لا يشبـعُ الفقـراءُ؟
قرشيّونَ! لـو رأتهم قريـشٌ
لاستجارت من رملِها البيداءُ
لا يمـينٌ يجيرُنا أو يسـارٌ
تحتَ حدِّ السكينِ نحنُ سواءُ
لو قرأنا التاريخَ ما ضاعتِ القدسُ
وضاعت من قبـلها "الحمـراءُ"..
يا فلسطينُ، لا تزالينَ عطـشى
وعلى الزيتِ نامتِ الصحـراءُ
العباءاتُ.. كلُّها من حريـرٍ
واللـيالي رخيصـةٌ حمـراءُ
يا فلسطينُ، لا تنادي عليهم
قد تساوى الأمواتُ والأحياءُ
قتلَ النفطُ ما بهم من سجايا
ولقد يقتـلُ الثـريَّ الثراءُ
يا فلسطينُ، لا تنادي قريشاً
فقريشٌ ماتـت بها الخيَـلاءُ
لا تنادي الرجالَ من عبدِ شمسٍ
لا تنادي.. لم يبـقَ إلا النساءُ
ذروةُ الموتِ أن تموتَ المروءاتُ
ويمشـي إلى الـوراءِ الـوراءُ
مرَّ عامـانِ والغزاةُ مقيمـونَ
و تاريـخُ أمـتي أشـلاءُ
مـرَّ عامانِ.. والمسيـحُ أسيرٌ
في يديهم.. و مـريمُ العـذراءُ
مرَّ عامـانِ.. والمآذنُ تبكـي
و النواقيـسُ كلُّها خرسـاءُ
أيُّها الراكعونَ في معبدِ الحرفِ
كـفانا الـدوارُ والإغـماءُ
مزِّقوا جُبَّةَ الدراويشِ عـنكم
واخلعوا الصوفَ أيُّها الأتقياءُ
اتركـوا أولياءَنا بسـلامٍ
أيُّ أرضٍ أعادها الأولياءُ؟
في فمي يا عراقُ.. مـاءٌ كـثيرٌ
كيفَ يشكو من كانَ في فيهِ ماءُ؟
زعموا أنني طـعنتُ بـلادي
وأنا الحـبُّ كـلُّهُ والـوفاءُ
أيريدونَ أن أمُـصَّ نـزيفي؟
لا جـدارٌ أنا و لا ببـغاءُ!
أنـا حريَّتي فإن سـرقوها
تسقطِ الأرضُ كلُّها والسماءُ
ما احترفتُ النِّفاقَ يوماً وشعري
مـا اشتـراهُ الملـوكُ والأمراءُ
كلُّ حرفٍ كتبتهُ كانَ سـيفاً
عـربيّاً يشـعُّ منهُ الضـياءُ
وقليـلٌ من الكـلامِ نقـيٌّ
وكـثيرٌ من الكـلامِ بغـاءُ
كم أُعاني مما كتبـتُ عـذاباً
ويعاني في شـرقنا الشـرفاءُ
وجعُ الحرفِ رائعٌ.. أوَتشكو
للـبسـاتينِ وردةٌ حمـراءُ؟
كلُّ من قاتلوا بحرفٍ شجاعٍ
ثم ماتـوا.. فإنـهم شهداءُ
لا تعاقب يا ربِّ من رجموني
واعفُ عنهم لأنّـهم جهلاءُ
إن حبّي للأرضِ حبٌّ بصيرٌ
وهواهم عواطـفٌ عمياءُ
إن أكُن قد كويتُ لحمَ بلادي
فمن الكيِّ قد يجـيءُ الشفاءُ
من بحارِ الأسى، وليلِ اليتامى
تطلـعُ الآنَ زهـرةٌ بيضاءُ
ويطلُّ الفداءُ شمـساً عـلينا
ما عسانا نكونُ.. لولا الفداءُ
من جراحِ المناضلينَ.. وُلدنا
ومنَ الجرحِ تولدُ الكـبرياءُ
قبلَهُم، لم يكن هـنالكَ قبـلٌ
ابتداءُ التاريخِ من يومِ جاؤوا
هبطوا فوقَ أرضـنا أنبياءً
بعد أن ماتَ عندنا الأنبياءُ
أنقذوا ماءَ وجهنا يومَ لاحوا
فأضاءت وجوهُنا السوداءُ
منحونا إلى الحـياةِ جـوازاً
لم تكُـن قبلَهم لنا أسمـاءُ
أصدقاءُ الحروفِ لا تعذلوني
إن تفجّرتُ أيُّها الأصـدقاءُ
إنني أخزنُ الرعودَ بصدري
مثلما يخزنُ الرعودَ الشتاءُ
أنا ما جئتُ كي أكونَ خطيباً
فبلادي أضاعَـها الخُـطباءُ
إنني رافضٌ زماني وعصـري
ومن الـرفضِ تولدُ الأشـياءُ
أصدقائي.. حكيتُ ما ليسَ يُحكى
و شـفيعي طـفولتي والنـقاءُ
إنني قـادمٌ إليكـم.. وقلـبي
فـوقَ كـفّي حمامـةٌ بيضـاءُ
إفهموني.. فما أنا غـيرُ طـفلٍ
فـوقَ عينيهِ يسـتحمُّ المـساءُ
أنا لا أعرفُ ازدواجيّةَ الفكرِ
فنفسـي.. بحـيرةٌ زرقـاءُ
لبلادي شعري.. ولستُ أبالي
رفضتهُ أم باركتـهُ السـماءُ..
كان الشاعر نزار قباني يلقى قصيدته في إحدى القاعات التي ضمت مهرجاناً شعرياً في بغداد عام 1962م فوقع بصره وهو يشدو بقصيدته على فتاة عراقية في العشرينات ، شديدة الجمال ، مليحة القوام ، تلاقت أبصارهما مرات ومرات فوقعت في قلبه ، فهام بها. سأل عنها ، فعلم أنها بلقيس الراوي ، تعيش في الأعظمية في بيت أنيق ، يطل على نهر دجلة ، فتقدم لخطبتها من أبيها ، ولأن العرب لا يزوجون من تغزل في ابنتهم ، لم يوافق ، فعاد نزار حزيناً إلى أسبانيا حيث كان يعمل في السفارة السورية. ظلت صورة بلقيس تداعب خياله ولا تغرب عن باله ، لكنه ظل يتبادل معها الرسائل في غفلة من الوالد. بعد سبع سنوات عاد إلى العراق ليشارك في المربد الشعري وألقى قصيدة أثارت شجون الحضور ، وعلموا أنه يحكى فيها قصة حب عميقة ، فتعاطف معه الشعب العراقي بأسره وكانت هذه القصيدة . نقلت القصة إلى الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، فتأثر بها فبعث بوزير الشباب الشاعر شفيق الكمالي ووكيل وزارة الخارجية، والشاعر شاذل طاقة، ليخطباها لنزار من أبيها ، عندها وافق والدها فتزوجا عام 1969 ليعيشا أجمل أيام حياتهما.
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
نزار قبانيسوريا☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث5054
جميع الحقوق محفوظة لبوابة الشعراء .. حمد الحجري ©