تاريخ الاضافة
الإثنين، 9 أبريل 2012 03:05:01 ص بواسطة السيد عبد الله سالم
0 420
على مذبح الحرية
يا واديَ الموتى بشطّكَ راقِدٌ
خفقت لهُ الأرواح بالصلواتِ
ما ضمّهُ جدثٌ هناك وإنما
حضنتهُ دُنيا النور في هالاتِ
سَهِرت عليهِ من السماءِ ملائكٌ
تُضفي عليهِ سوابغَ الرحمات
ألقُ الضحى في ساحهِ متصوفٌ
ورعٌ يَطوف بأقدس الحُرمات
وعوابرُ الأنسام تخطرُ حولهُ
ريّا بنفحِ عُطورهِ عَبقاتِ
تنساب خاشعة وتسربُ عفةً
كمُطيّبٍ يمشي على عرفات
والفجر قبل شروقهِ فوق الربي
يختار منهُ وشعائعا ألقات
أفوافُ من لُمع السنا ، ومطارفٌ
يلقى غلائلها على الربواتِ
ويسوف عطر الخلد من جنباتهِ
ويُذيعهُ من أكؤس الزّهَراتِ
سأل الدّجى أسدافهُ لمّا بدتْ
في ليلهِ الغيّانِ مُلتمِعاتِ
ما بالُ ما أسدلتهِ فوق الورى
وضفوته من حالك الظلماتِ
لمّا نزلتِ بهِ على هذا الحمى
أضحى متوعَ الشمس فوق رباةِ
فأجابت الأسدافُ: إنّ مُضرّجًا
بدمِ الفداء أضاء لي قسماتي
سمّوهُ في الورق الشهيدَ وما اسمهُ
إلا الخلود بصفحة المهجات
ما زال سحر النيل طيَّ حفيرهِ
يرتاعُ منهُ الذرّ في الحصيات
وطلاسم الأهرام فوق جبينهِ
قبسُ الخلود يشعّ للنظراتِ
وشعاعة الإيمان تشرق بينها
كالنجم يسكب رائع اللمحات
وشواظُ هيجتهِ يكادُ على الثرى
يُذكي اللّظى بالأعظُمِ النخرات
ملْ نحو مضجعهِ وأصغِ لجرحهِ
واسمع نشيدَ الدّمِّ في القطرات
ما زالَ يُترع ثورةً من قلبهِ
خرساء مُصفحةً بلا نبراتِ
وكأنّ آخر لفظةٍ هتفت بها
شفتاهُ مزمورٌ مِنَ التّوراةِ
وكأنّ أجراحَ الأسنّةِ رايةٌ
حمراءُ شهرها الدخيلُ العاتِي
لمح الشهيد خيالها فنضا لها
روحاً يثور بأصلب العزمات
وأحالها مزقاً صواغر أصبحت
كفنا يُذيق القيدَ مُرّ شمات
وارتدّ في ريعانهِ مستشهدا
يُزهي بقدس الموت في الحفرات
وكأنهُ لمْ يلقَ من كرب الردى
إلاّ رسيسَ ضنًى وظلَّ صُمات
***
أعوادُ زانٍ كنّ في كنفِ البلى
صفراً نبذنَ بأبشعِ الكسرات
حمّلنهُ فأعادهنّ عرائشاً
تخضلُّ فوق الهام مؤتلقاتِ
وكأنّ بين حنوطهِ ريحانةً
أزليةً هربت من الجنّاتِ
نسمت عبير الخلد طيّ سُتورهِ
وترعرعت في ريق النفحاتِ
وترى الشموع الموقدات لنعشهِ
شُعَلاً من الفردوس مُنبعثاتِ
تهتز والهةً وتغضي رهبةً
كنوادبٍ في الركب مُستحياتِ
والسّابريّ تخالهُ من طيبهِ
بردَ النبيّ معطرَ الصفحات
لفّ الشهيدَ مُطهّراً فحسبته
مَلكاً تهيّأ مهدهُ لسُبات
حارت شفاهُ الهاتفين حيالَهُ
ماذا تنصّ لهُ من الدعواتِ
واهتاجت الغيد العوانس حيرةً
ماذا يفضن لهُ من الشرفاتِ
الزهرَ ما تطيابهُ والعطرَ ما
تسكابهُ لمُعطّر النسماتِ
والحسنَ ما تلماحهُ واللحنَ ما
تصداحهُ لمفجّر النغمات
خُيبَ حين رجونَ أيةَ سلوةٍ
فوجمن من هول الردى جزعات
يتّمن أدمعهن من طول البكا
وظللن في الأبراجِ مكتئباتِ
ودنا الشهيد من القبور فأرعشتْ
طربا بمقدم نعشه فرحات
كحمائم نزحت فضلل سربها
ظل المساء بوحشة الفلوات
جثمت على الكثبان تنتظر السنا
وأتى الصباح فهجن منتعشات
حتى إذا وافى الحفير كأنه
وحي السماء مبلج الآيات
كادت عظام الهالكين تخشعاً
لجلاله تَصطفّ في الطرقاتِ
وتعودها الأرواحُ من فرحٍ بهِ
وتظلّ حتى البعث مُبتهجات
من مثل هذا الحيّ ؟ كرّمَ موتهُ
من سائر الأحياء والأموات
وهناكَ تحت الغاب يعزف شاعرٌ
بقصيدةٍ مكروبة الأبيات
أشجى بها الشهداء بين قبورهم
وأثار شجو الليل في الغابات
وشدا فكاد الغاب يسجد نشوةً
ويرتّل الأشعار في السجدات
لما أذاع شجونها في ليلةٍ
سوداء كالأمواج مصطخباتِ
وثبت له روحٌ تفيضُ حماسةً
ومضت تلّومهُ بكل ثبات
ما بال قلبك لجّ في نغم الأسى
وفواجع الأحلام والصبواتِ
حطّم ربابتكَ التي تشدو بها
وادفن نشيد الهمِّ والحسراتِ
واصدح لنا بقصيدةٍ وطنيةٍ
تدعُ الشهيد مسعر النفثات
أسمعهُ قصتهُ فإن حديثها
سمر الزمان بهذه الخلواتِ
***
فانساب وحي الشعر من أوتارهِ
كجداولٍ في الحقلِ منسكباتِ
وغدا يغنّي في الحمي : يا جنّةً
فجّرتُ بين ظلالها نغماتي
النيل فيها قصةٌ أبديةٌ
والطير قارئها على العذبات
والنخلُ فيها ذاكرٌ مسترسلٌ
هيمانُ مسحورٌ على الورقاتِ
والنخل في صمت الرياح كأنّه
نُسّاكُ فجرٍ آذنوا لصلاةِ
والشاعرون كأنّ مسّةَ جِنّةٍ
خبلتهمُ من روعة الخطراتِ
تلقى أناملهم إذا جاسوا بها
من زحمة الإلهامِ مُرتعشاتِ
كنّا نسير بها ولا حُسنٌ ولا
فِتنٌ سوى الأغلال محتدمات
نُسقى بها البلوى ويشرب غيرنا
من نيلها بالأكؤس الشّبماتِ
والقيدُ يسبقنا إذا رُمنا به
فتكاً فيرهقُ عزّةَ الخُطُوات
وإذا بأرواح الشباب تُطلُّ مِنْ
خلل الأسى والذّلِّ مُنفطراتِ
حتّى أتى يوم الفداء فزُلزلت
غضباً وراحت فيه مُشتعلات
لبست دروع النار ثم تقدمت
لسلاسل الفولاذ مضطرمات
نسفت صفائحها وأفنت ذرّها
وتهافتت في الترب مبتسمات
رشفت رحيقَ الخلد قبل مماتها
وتهيّأت لحماهُ مُنتشيات
فوقفتُ أبعث ذكرها بملاحني
فشدت مُرفرفةً على أبياتي
يا شاعراً غنّى فكاد نشيدهُ
يهتزُّ في الأكفان منهُ رُفاتي
هذا خيالُ الخالدينَ فغنّني
وأعِدْ بشعركَ للشباب حياتي
"ألقيت في احتفال الأمة المصرية بذكرى شهيد دار العلوم عبد الحكم الجراحي في ثورة 1935 م وهي استيحاء موكب من مواكب الشهداء شق القاهرة وهي تضطرم كالجذوة في غروب يوم من أيام الثورة السالفة الذكر"
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود حسن أسماعيلمصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث420