تاريخ الاضافةتاريخ التعديل
السبت، 4 أغسطس 2012 06:47:09 م بواسطة المشرف العامالسبت، 4 أغسطس 2012 06:49:11 م
1 3156
فُؤادٌ بِهِ شَمسُ المَحَبَّةِ طالِعُ
فُؤادٌ بِهِ شَمسُ المَحَبَّةِ طالِعُ
وَلَيسَ لِنَجمِ العَذلِ فيهِ مَواقِعُ
صَحا الناسُ مِن سُكرِ الغَرامِ وَما صَحا
وَأفرق كُلٌّ وَهوَ في الحانِ جامِعُ
حُمَيّا هَواهُ عَينُ قَهوَةِ غَيرِهِ
مُدامٌ دَواماً تَقتَنيها الأَضالِعُ
هَوى وَصَباباتٌ وَنارُ مَحَبَّةٍ
وَتُربَةُ صَبرٍ قَد سَقَتها المَدامِعُ
وَأَولَعَ قَلبي مِن زَرودٍ بِمائِهِ
وَيا لَهفي كَم ماتَ ثَمَّةَ والِعُ
وَلي طَمَعٌ بَينَ الأَجارِعِ عَهدُه
قَديمٌ وَكَم خابَت هُناكَ المَطامِعُ
أَيا زَمَنَ الرَندِ الَّذي بَينَ لَعلَعٍ
تَقَضّى لَنا هَل أَنتَ يا عَصرُ راجِعُ
لَقَد كانَ لي في ظِلِّ جاهِكَ مَرتَعٌ
هَنيءٌ وَلي بِالرَقمَتَينِ مَرابِعُ
أَجُرُّ ذُيولَ اللَهوِ في ساحَةِ اللِقا
وَأَجني ثِمارَ القُربِ وَهيَ أَيانِعُ
وَأَشرَبُ راحَ الوَصلِ صَرفاً بِراحَةٍ
تُصَفِّقُ بِالراحاتِ مِنها الأَصابِعُ
تَصَرَّمَ ذاكَ العُمرُ حَتّى كَأَنَّني
أَعيشُ بِلا عُمرٍ وَلِلعَيشِ مانِعُ
وَمُذ مَرَّ عَنّي العَيسُ وَاِبيَضَّ لِمَّتي
تَسَوَّد صُبحي فَالدُموعُ فَواقِعُ
وَسِربٍ مِنَ الغِزلانِ فيهِنَّ قَينَةٌ
لَنا هُنَّ في سَقطِ العُذيبِ مَراتِعُ
سَفَرنَ بُدوراً مُذ قَلَبنَ عَقارِباً
مِنَ الشِعرِ خِلنا أَنَّهُنَّ بَراقِعُ
رَعى اللَهُ ذاكَ السِربَ لي وَسَقى ال
حمى وَلا ضُيِّعَت سِربٌ فَإِنّي ضائِعُ
صَليتُ بِنارٍ أَضرَمَتها ثَلاثَةٌ
غَرامٌ وَشَوقٌ وَالدِيارُ الشَواسِعُ
يُخَيَّلُ لي أَنَّ العُذَيبَ وَماءهُ
مَنامٌ وَمِن فَرطِ المُحالِ الأَجارِعُ
فَلا نارَ إِلّا ما فُؤادي مَحَلُّهُ
وَلا السُحبَ إِلّا ما الجُفونُ تُدافِعُ
وَلا وَجدَ إِلّا ما أُقاسيهِ في الهَوى
وَلا المَوتَ إِلّا ما إِلَيهِ أُسارِعُ
فَلَو قيسَ ما قاسَيتُهُ بِجَهَنَّم
مِنَ الوَجدِ كانَت بَعضَ ما أَنا قارِعُ
جُفوني بِها نوحٌ وَطوفانُها الدِما
وَنَوحِيَ رَعدٌ وَالزَفيرُ اللَوامِعُ
وَجِسمي بِهِ أَيّوبُ قَد حَلَّ لِلبَلا
وَكَم مَسَّني ضُرٌّ وَما أَناجازِعُ
وَما نارُ إِبراهيمَ إِلّا كَجَمرَةٍ
مِنَ الجمرِ اللاتي خَبَتها الأَضالِعُ
لِسِرّي في بَحرِ الصبابَةِ يونُسُ
تَلَقَّمَهُ حوتُ الهَوى وَهو خاشِعُ
وَكَم في فُؤادِي مِن شُعَيبِ كَآبَة
تَشَعَّبَ مُذ شَطَّت مَزاراً مَرابِعُ
حَكى زَكَرِيّا وَهنَ عَظمي مِنَ الضَنا
أَيَحيى اِصطِباري وَهوَ بِالمَوتِ نافِعُ
أَيا يوسُفَ الدُنيا لِفَقدِكَ في الحَشا
مِنَ الحُزنِ يَعقوبٌ فَهَل أَنتَ راجِعُ
أَتَينا تجارَ الذُلِّ نَحوَ عَزيزِكُم
وَأَرواحُنا المُزجاةُ تِلكَ البَضائِعُ
فَإِن يَكُ عَطفاً أَنتَ أَهل وَأَهلُهُ
وَإِن لَم يَكُن كانَ العَذابُ مواقِعُ
فَكُلُّ الَّذي يَقضيهِ فِيَّ رِضاكُمُ
مرامي وَفَوقَ القَصدِ ما أَنا صانِعُ
تَلَذُّ لِيَ الآلامُ إِذ أَنتَ مُسقِمي
وَإِن تَمتَحِنّي فَهيَ عِندي صَنائِعُ
تَحَكَّم بِما تَهواهُ فِيَّ فَإِنَّني
فَقيرٌ لِسُلطانِ المَحَبَّةِ طائِعُ
حَبَبتُكَ لا لي بَل لِأَنَّكَ أَهلُهُ
وَما لِيَ في شَيءٍ سِواكَ مَطامِعُ
فَصِل إِن تَرى أَو دَع وَعَدَّ عَنِ اللِقا
وَإِلّا فَدونَ الوَصلِ ما أَنا قانِعُ
تَمَكَّنَ مِنّي الحُبُّ فَاِمتَحَقَ الحَشا
وَأَتلَفَني الوَجدُ الشَديدُ المُنازِعُ
وَأَشغَلَني شُغلي بِها عَن سوائِها
وَأَذهَلَني عَنّي الهَوى وَالهَوامِعُ
وَقَد فَنِيَت روحي لِقارِعَةِ الهَوى
وَأُفنِيتُ عَن مَحوي بِما أَنا قارِعُ
فَقامَ الهَوى عِندي مَقاما فَكُنتُهُ
وَغُيِّبتُ عَن كَوني فَعِشقِيَ جامِعُ
غَرامي غَرامٌ لا يُقاسُ بِغَيرِهِ
وَدونَ هُيامي لِلمُحِبّينَ مانِعُ
فُؤادِيَ وَالتَبريحُ لِلروحِ لازِمٌ
وَسُقمِيَ وَالآلامُ لِلجِسمِ تابِعُ
وُلوعي وَأَشجاني وَشَوقي وَلَوعَتي
لِجَوهَرِ ذاتي في الغَرامِ طَبائِعُ
غَرامِيَ نارٌ وَالهَوى فَهوَ الهَوا
وَتُربِيَ وَالما ذِلَّتي وَالمَدامِعُ
يَلومُ الوَرى نَفسي لِفَرطِ جُنونِها
وَلَيسَ بِأُذني لِلمَلامِ مَسامِعُ
وَمُذ أَوتَرَت أَحشايَ حُبَّكَ إِنَّني
لِسَهم قَسِيِّ النائِباتِ مَواقِعُ
وَما لِيَ إِن حَلَّ البَلاءُ التِفاتَةٌ
وَما لِيَ إِن جاءَ النَعيمُ مَراتِعُ
وَما أَنا مَن يَسلو بِبَعضِ غَرامِهِ
عَنِ البَعضِ بَل بِالكُلِّ ما أَنا قانِعُ
وَشَوقي ما شَوقي وُقيتُ فَإِنَّهُ
جَحيمٌ لَهُ بَينَ الضُلوعِ فَراقِعُ
وَبي كَمَدٌ لَو حُمِّلَتهُ جِبالُها
لَدُكَّت بِرُضواها وَهُدَّت صَوامِعُ
وَلي كَبِدٌ حَرّاءَ مِن ظَمَأٍ بِها
إِلَيكَ وَلَم يَبرُد غَليلاً مُصانِعُ
يُخَيَّلُ لي أَنَّ السَماءَ عَلى الثَرى
طَبَقنَ وَأَنّي بَينَ ذَلِكَ واقِعُ
وَنَفسِيَ نَفسٌ أَيُّ نَفسٍ أَبِيَّةٌ
تَرى المَوتَ نَصبَ العَينِ وَهيَ تُسارِعُ
فَهَمّي وَفَهمي ذا عَلَيكَ وَفيكَ ذا
وَجِدّي وَوَجدي زايِدٌ وَمُتابِعُ
وَعَزمي وَزَعمي أَنَّهُ فَوقَ كلِّ ما
يُرادُ وَظَنّي إِنَّما هُوَ واقِعُ
تُسامِرُ عَينايَ السُها بِسُهادِها
وَتَسأَلُ بَل ما سالَ إِلّا المَدامِعُ
وَيَرقُبُ مِنكَ الطَيفَ جَفنِيَ دُجنَةً
وَكَم زارَهُ طَيفٌ وَما هُوَ هاجِعُ
وَيُخبِرُني عَنكَ الصَبا وَهوَ جاهِلٌ
فَتَلتَذُّ مِن أَخبارِكُم لي مَسامِعُ
إِذا غَرَّدَت وَرَقا عَلى غُصنِ بانَةٍ
وَجاوَبَ قُمرِيٌّ عَلى الأَيكِ ساجِعُ
فَأُذنِيَ لَم تَسمَع سِوى نَغمَةِ الهَوى
وَمِنكُم فَإِنّي لا مِنَ الطَيرِ سامِعُ
وَمِن أَيِّ أَينٍ كان إِن هَبَّ ضايِعٌ
فَلي فيهِ مِن عِطرِ الغَرامِ بَضائِعُ
وَإِن زَمجَرَ الرَعدُ الحِجازِيُّ بِالصَفا
وَأَبرَقَ مِن شُعبى جِياد لَوامِعُ
يُصَوِّرُ لي الوَهمُ المُخَيّلُ أَنَّ ذا
سَناكَ وَهَذا مِن ثَناياكَ ساطِعُ
فَأَسمَعُ عَنكُم كُلَّ أَخرَسَ ناطِقاً
وَأُبصِرُكُم في كُلِّ شَيءٍ أُطالِعُ
إِذا شاهَدَت عَيني جَمالَ مَلاحَةٍ
فَما نَظَري إِلّا بِعَينِكَ واقِعُ
وَما اِهتَزَّ من قَدِّ قَنا تَحتَ طَلعَةٍ
مِنَ البَدرِ أَبدَت أَم خَبَتها البَراقِعُ
وَلا سَلسَلَت أَعناقَها بِغَرامِها
تَصافيفَ جَعدٍ خَطّهُنَّ وَقائِعُ
وَلا نَقَطَت خالَ الملاحَةِ بَهجَةٌ
عَلى وَجنَةٍ إِلّا وَحَرفُكَ بارِعُ
فَأَنتَ الَّذي فيهِ يَظهَرُ حُسنُهُ
بِهِ لا بِنَفسي ما لَهُ مَن يُنازِعُ
وَإِن حَسَّ جِلدي مِن كَثيفِ خُشونَةٍ
فَلي فيهِ مِن أَلطافِ حُسنِكَ رادِعُ
تَخِذتُكَ وَجهاً وَالأَنامَ بِطانَةً
فَأَنجُمُهُم غابَت وَشَمسُكَ طالِعُ
فَديني وَإِسلامي وَتَقوايَ إِنَّني
بِحُسنِكَ فَانٍ لِأَتمارِكَ طائِعُ
إِذا قيلَ قُل لا قُلتُ غَيرَ جمالِها
وَإِن قيلَ إِلّا قُلتُ حُسنُكَ شاسِعُ
أُصَلّي إِذا صَلّى الأَنامُ وَإِنَّما
صَلاتي بِأَنّي لِاِعتِزازِكَ خاضِعُ
أُكَبِّرُ في التَحريمِ ذاتَكَ عَن سِوى
وَاِسمُكَ تَسبيحي إِذا أَنا خاشِعُ
أَقومُ أُصَلّي أَي أُقيمُ عَلى الوَفا
بِأَنَّكَ فَردٌ واحِدُ الحُسنِ جامِعُ
وَأَقرَأُ مِن قُرآنِ حسنِكَ آيَةً
فَذَلِكَ قُرآني إِذا أَنا راكِعُ
وَأَسجُدُ أَي أَفنى وَأَفني عَنِ الفَنا
فَأَسجُدُ أُخرى وَالمُتَيَّمُ والِعُ
وَقَلبِيَ مُذ أَبقاهُ حُسنُكَ عِندَهُ
تَحِيّاتُهُ مِنكُم إِلَيكُم تُسارِعُ
صِيامي هُوَ الإِمساكُ عَن رُؤيَةِ السوى
وَفِطرِيَ أَنّي نَحوَ وَجهِكَ راجِعُ
وَبَذلِيَ نَفسي في هَواكَ صَبابَةً
زَكاةُ جَمالٍ مِنكَ في القَلبِ ساطِعُ
أَرى مَزجَ قَلبي مَع وُجودي جَنابَةً
فَماءُ طَهوري أَنتَ وَالغَيرُ مائِعُ
أَيا كَعبَةَ الآمالِ وَجهُكَ حجَّتي
وَعُمرَةُ نُسكي أَنَّني فيكَ والِعُ
وَتَجريدُ نَفسي عَن مَخيطِ صِفاتِها
بِوَصفِكَ إِحرامي عَن الغَيرِ قاطِعُ
وَتَلبِيَتي أَنّي أُذَلِّلُ مُهجَتي
لِما مِنكَ في ذاتي مِنَ الحُسنِ لامِعُ
وَكانَت صِفاتٌ مِنكَ تَدعو إِلى العُلا
لِذاتي فَلَبَّت فَاِستَبانَت شَواسِعُ
وَتَركي لِطيبي وَالنِكاحِ فَإِنَّ ذا
صِفاتي وَذا ذاتي فَهُنَّ مَوانِعُ
وَإِعفاءُ حَلقِ الرَأسِ تَركُ رِياسَةٍ
فَشَرطُ الهَوى أَنَّ المُتَيَّمَ خاضِعُ
إِذا تَرَكَ الحُجّاجُ تَقليمَ ظُفرِهِم
تَرَكتُ مِنَ الأَفعالِ ما أَنا صانِعُ
وَكُنتُ كَآلاتٍ وأَنتَ الَّذي بِها
تُصَرِّفُ بِالتَقديرِ ما هُوَ واقِعُ
وَما أَنا جَبرِيُّ العَقيدَةِ إِنَّني
مُحِبٌّ فَنى فيمَن خَبَتهُ الأَضالِعُ
فَها أَنا في تَطوافِ كَعبَةِ حُسنِهِ
أَدورُ وَمَعنى الدَورِ أَنِّيَ راجِعُ
وَمُذ عَلِمَت نَفسي صِفاتِكَ سَبعَةً
فَأَعدادُ تَطوافي حماكَ سَوابِعُ
أُقَبِّلُ خالَ الحُسنِ في الحَجَرِ الَّذي
لَنا مِن قَديمِ العَهدِ فيهِ وَدائِعُ
وَمَعناهُ أَنَّ النَفسَ فيها لَطيفَةٌ
بِها تُقبَلُ الأَوصافُ وَالذاتُ شائِعُ
وَأَستَلِمُ الرُكنَ اليَمانِيَّ إِنَّهُ
بِهِ نَفَسُ الرَحمَنِ وَالنَفسُ جامِعُ
وَأَختِمُ تطوافَ الغَرامِ بِرَكعَةٍ
مِنَ المَحوِ عَمّا أَحدَثَتهُ الطَبائِعُ
تُرى هَل لِموسى القَلب مِن زَمزَمِ اللِقا
مَراضِعُ لا حُرِّمنَ تِلكَ المَراضِعُ
فَتَذهَبُ نَفسي في صَفاءِ صِفاتِكُم
لِتَسعى بِمَروَ الذاتِ وَهيَ تُسارِعُ
فَلَيسَ الصَفا إِلّا صَفايَ وَمَروَتي
بِأني عَلى تَحقيقِ حَقِّيَ صادِعُ
وَما القَصرُ إِلّا غَن سِواكُم حَقيقَةً
وَلا الحَلقُ إِلّا تَركُ ما هُو قاطِعُ
وَلا عَرَفاتُ الوَصلِ إِلّا جَنابُكُم
فَطوبى لِمَن في حَضرَةِ القُربِ راتِعُ
عَلى عِلمِيَ مَعناكَ ضِدّانِ جُمِّعا
وَيا لَهفيَ ضِدّانِ كَيفَ التَجامُعُ
بِمُزدَلِفاتٍ في طَريقِ غَرامِكُم
عَوائِقُ مِن دونِ اللِقا وَقَواطِعُ
فَإِن حَصَلَ الإِشعارُ في مَشعَرِ الهَوى
وَساعَدَ جَذبُ العَزمِ فَالفَوزُ واقِعُ
عَلى مَشعَرِ التَحقيقِ عَظَّمتُ في الهَوى
شَعائِرَ حُكمٍ أَصَّلَتها الشَرائِعُ
وَكَم مِن مُنىً لي في مِنى حَضَراتِكُم
وَيا حَسَراتي وَالمُحَسِّر شاسِعُ
رَمَيتُ جِمارَ النَفسِ بِالروحِ فَانتَشَت
جُهَنَّمُها ماءً وَصاحَت ضَفادِعُ
وَأُبدِلَ رُضوانٌ بِمالِك وَاِنتَشا
بِها شَجَرُ الجَرجيرِ وَالغُصنُ يانِعُ
فَفاضَت عَلى نَفسي يَنابيعُ وَصفِها
وَناهيكَ صِرفُ الحَقِّ تِلكَ اليَنابِعُ
فَطُفتُ طَوافاً لِلإِفاضَةِ بِالحِمى
وَقُمتُ مَقاماً لِلخَليلِ أُبايِعُ
فَمُكِّنتُ مِن مُلكِ الغَرامِ وَها أَنا
مَليكٌ وَسَيفي بِالصبابَةِ قاطِعُ
وَحَقَّقتُ عِلماً وَاِقتِدارَ جَميعِ ما
تَضَمَّنَهُ مُلكي وَما لي مُنازِعُ
فَلَمّا قَضَينا النُسكَ مِن حَجَّة الهَوى
وَتَمَّت لَنا مِن حَيِّ لَيلى مَطامِعُ
شَدَدنا مَطايا العَزمِ نَحوَ مُحَمَّدٍ
وَطُفنا وَداعاً وَالدُموعُ هَوامِعُ
وَجُبنا بِتَهذيبِ النُفوسِ مَفاوِزاً
سَباسِبَ فيها لِلرِجالِ مَصارِعُ
حمىً دَرَسَت لِلعاشِقينَ طُروقُهُ
عَزيزٌ وَكَم خابَ في العِزِّ طامِعُ
مَحَلٌّ مَجالي القُربِ حالَت رُسومُهُ
وَأَوجٌ مَنيعٌ دونَهُ البَرقُ لامِعُ
يُنَكَّسُ رَأسُ الريحِ عِندَ اِرتِفاعِهِ
وَكَم زالَ عَنهُ السُحبُ وَالغَيثُ هامِعُ
يُرى تَحتَهُ بِهرامُ في الأَوجِ ساجِداً
وَكيوانُ مِن فَوقِ السَماواتِ راكِعُ
وَكَم رامِحٍ مُذ رَامَهُ صارَ أَعزَلاً
وَفي قَلبِهِ مِن عَقرَبِ العقرِ لاذِعُ
سَرَيتُ بِهِ وَاللَيلُ أَدجى مِنَ العَمى
عَلى بازِلٍ أَفديهِ ما هُوَ ضالِعُ
يَجوبُ الفَلا جَوبَ الصَواعِقِ في الدُجى
وَيَرحَلُ عَن مَرعى الكَلا وَهوَ جامِعُ
وَإِن مَرَّ بَعدَ العُسرِ بِالماءِ إِنَّهُ
عَلى ظَمَأٍ عَن ذاكَ بِالسَيرِ قانِعُ
هِيَ النَفسُ نِعمَت مَركَباً مُطمَئِنَّةً
فَلَيسَ لَها دونَ المرامِ مَوانِعُ
فَيا سَعدُ إِن رُمتَ السَعادَةَ فَاِغتَنِم
فَقَد جاءَ في نَظمِ البَديعِ بَدائِعُ
مَفاتيحُ أَقفالِ الغُيوبِ أَتَتكَ في
خَزائِنِ أَقوالي فَهَل أَنتَ سامِعُ
كَشَفتُكَ أَسرارَ الشَريعَةِ فَاِنحُها
فَما وُضِعَت إِلّا لِتِلكَ الشَرائِعُ
وَها أَنا ذا أُخفي وَأُظهِرُ تارَةً
لِرَمزِ الهَوى ما السِرُ عِندِيَ ذائِعُ
وَإِيّاكِ أَعني فَاِسمَعي جارَتي فَما
يُصَرِّحُ إِلّا جاهِلٌ أَو مُخادِعُ
وَلَكِنَّني آتيكَ بِالبَدرِ أَبلَجاً
وَأُخفيهِ أُخرى كَي تُصانَ الوَدائِعُ
خُذِ الأَمرَ بِالإيمانِ مِن فَوقِ أَوجِهِ
وَنازِع إِذا نَفسٌ أَتَتكَ تُنازِعُ
فَلِلمَرءِ في التَنزيلِ أَوفى أَدِلَّة
وَلَكِنَّ قَلبي بِالحَقائِقِ والِعُ
وَفي السُنَّةِ الزَهراءِ كُلُّ عِبارَةٍ
بِنا مِن إِشاراتِ الغَرامِ وَقائِعُ
فَإِن كُنتَ مِمَّن مالَهُ يَدُ مَأخَذٍ
سَوِيٍّ بِتَصريحِ التَشكُّلِ قانِعُ
سَأُنشي رِواياتٍ إِلى الحَقِّ أُسنِدَت
وَأضرِبُ أَمثالاً لِما أَنا واضِعُ
وَأوضِحُ بِالمَعقولِ سِرَّ حَقيقَةٍ
لِمَن هُوَ ذو قَلبٍ إِلى الحَقِّ راجِعُ
تَجَلّى حَبيبي في مَرائي جَمالِهِ
فَفي كُلِّ مَرأىً لِلحَبيبِ طَلائِعُ
فَلَمّا تَبَدّى حُسنُهُ مُتَنَوِّعاً
تَسَمّى بِأَسماء فَهُنَّ مطالِعُ
وَأَبرَزَ مِنهُ فيهِ آثارَ وَصفِهِ
فَذَلِكُمُ الآثارُ مَن هُوَ صانِعُ
فَأَوصافُهُ وَالاسمُ وَالأَثَرُ الَّذي
هُوَ الكَونُ عَينُ الذاتِ وَاللَهُ جامِعُ
فَما ثَمَّ مِن شَيءٍ سِوى اللَهُ في الوَرى
وَما ثَمَّ مَسموعٌ وَما ثَمَّ سامِعُ
هُوَ العَرشُ وَالكُرسِيُّ وَالمَنظَرُ العَلي
هُوَ السِدرَةُ اللاتي إِلَيها المَراجِعُ
هُوَ الأَصلُ حَقّا وَالهَيولي مَعَ الهَبا
هُوَ الفَلَكُ الدَوّارُ وَهوَ الطَبائِعُ
هُوَ النورُ وَالظَلماءُ وَالماءُ وَالهَوا
هُوَ العُنصُرُ النارِيُّ وَهوَ البَلاقِعُ
هُوَ الشَمسُ وَالبَدرُ المُنيرُ هُوَ السُها
هُوَ الأُفقُ وَهوَ النَجمُ وَهوَ المَواقِعُ
هُوَ المَركَزُ الحُكمي هُوَ الأَرضُ وَالسَما
هُوَ المُظلِمُ المِقتامُ وَهوَ اللَوامِعُ
هُوَ الدارُ وَهوَ الأَثلُ وَالحَيُّ وَالغَضا
هُوَ الناسُ وَالسُكّانُ وَهوَ المَراتِعُ
هُوَ الحُكمُ وَالتَأثيرُ وَالأَمرُ وَالقَضا
هُوَ العِزُّ وَالسُلطانُ وَالمُتَواضِعُ
هُوَ اللَفظُ وَالمَعنى وَصورَةُ كُلِّ ما
يُخالُ مِن المَعقولِ أَو هُوَ واقِعُ
هُوَ الجِنسُ وَهوَ النَوعُ وَالفَصلُ إِنَّهُ
هُوَ الواجِبُ الذاتِيُّ وَالمُتَمانِعُ
هُوَ العَرَضُ الطارِيُّ نَعَم وَهوَ جَوهَرٌ
هُوَ المَعدِنُ الصَلدِيُّ وَهو المَوانِعُ
هُوَ الحَيَوانُ الحَيُّ وَهو حَياتُهُ
هُوَ الوَحشُ وَالإِنسُ وَهوَ السَواجِعُ
هُوَ القَيسُ بَل لَيلاهُ وَهو بُثَينَةٌ
أَجَل بِشرُها وَالخَيفُ وَهوَ الأَجارِعُ
هُوَ العَقلُ وَهوَ القَلبُ وَالنَفسُ وَالحَشا
هُوَ الروحُ وَهوَ الجِسمُ وَالمُتَدافِعُ
هُوَ الموجِدُ الأَشياءَ وَهوَ وُجودُها
وَعَينُ ذَواتِ الكُلِّ وَهوَ الجَوامِعُ
بَدَت في نُجومِ الخَلقِ أَنوارُ شَمسِهِ
فَلَم يَبقَ حُكمُ النَجمِ وَالشَمسُ طالِعُ
حَقائِقُ ذاتٍ في مَراتِبِ حَقِّهِ
تُسَمّى بِاِسمِ الخَلقِ وَالحَقُّ واسِعُ
وَفي فيهِ مِن روحي نُفِختَ كِنايَةً
هَلِ الروحُ إِلّا عَينُهُ يا مُنازِعُ
وَنَزِّههُ عَن حُكمِ الحُلولِ فَما لَهُ
سِوى وَإِلى تَوحيدِهِ الأَمرُ راجِعُ
فَيا أحَدِيَّ الذاتِ في عَينِ كَثرَةٍ
وَيا واحِدَ الأَشياءِ ذاتُكَ شائِعُ
تَجَلَّيتَ في الأَشياءِ حينَ خَلَفتَها
فَها هِيَ ميطَت عَنكَ فيها البَراقِعُ
قَطَعتَ الوَرى مِن ذاتِ نَفسِكَ قِطعَةً
وَلَم تَكُ مَوصولاً وَلا فَصلُ قاطِعُ
وَلَكِنَّها أَحكامُ رُتبَتِكَ اِقتَضَت
أُلوهِيَّةً لِلضِدِ فيها التَجامُعُ
فَأَنتَ الوَرى حَقّاً وَأَنتَ إِمامُنا
وَأَنتَ لَما يَعلو وَما هُوَ واضِعُ
وَما الخَلقُ في التِمثالِ إِلّا كَثَلجَةٍ
وَأَنتَ بِها الماءُ الَّذي هُوَ نابِعُ
فَما الثَلجُ في تَحقيقِنا غَيرَ مائِهِ
وَغَيرَ آنِ في حُكمٍ دَعَتها الشَرائِعُ
وَلَكِن بِذَوبِ الثَلجِ يُرفَعُ حُكمُهُ
وَيوضَعُ حُكمُ الماءِ وَالأَمرُ واقِعُ
تَجَمَّعَتِ الأَضدادُ في واحِدِ البَها
وَفيهِ تَلاشَت فَهوَ عَنهُنَّ ساطِعُ
فَكُلُّ بَهاءٍ في مَلاحَةِ صورَةٍ
عَلى كُلِّ قَدٍّ شابَهَ الغُصنَ يانِعُ
وَكُلُّ اِسوِدادٍ في تَصافيفِ طُرَّةٍ
وَكُلُّ اِحمِرارٍ في الطَلايِعِ ناصِعُ
وَكُلُّ كَحيلِ الطَرفِ يَقتُلُ صَبَّهُ
بِماضٍ كَسَيفِ الهِندِ مُضارِعُ
وَكُلُّ اِسمِرارٍ في القَوائِمِ كَالقَنا
عَلَيهِ مِنَ الشَعرِ الرَسيلِ شَرائِعُ
وَكُلُّ مَليحٍ بِالمِلاحَةِ قَد زَها
وَكُلُّ جَميلٍ بِالمَحاسِنِ بارِعُ
وَكُلُّ لَطيفٍ جَلَّ أَو دَقَّ حُسنُهُ
وَكُلُّ جَليلٍ وَهوَ بِاللُطفِ صادِعُ
مَحاسِنُ مَن أَنشَأَ ذَلِكَ كُلُّهُ
فَوَحِّد وَلا تُشرِك بِهِ فَهوَ واسِعُ
وَإِيّاكَ أَن تَلفَظَ بِعارِيَّةِ البِها
فَما ثَمَّ غَيرٌ وَهوَ بِالحُسنِ بادِعُ
وَكُلُّ قَبيحٍ إِن نَسَبتَ لِحُسنِهِ
أَتَتكَ مَعاني الحُسنِ فيهِ تُسارِعُ
وَلا تَحسَبَنَّ الحُسنَ يُنسَبُ وَحدَهُ
إِلَيهِ البَها وَالقُبحُ بِالذاتِ راجِعُ
يُكَمِّلُ نُقصانَ القَبيحِ جَمالُهُ
فَما ثَمَّ نُقصانٌ وَلا ثَمَّ باشِعُ
وَيَرفَعُ مِقدارَ الوَضيعِ جَلالُهُ
إِذا لاحَ فيهِ فَهوَ لِلوَضعِ رافِعُ
فَلا تَحتَجِب عَنهُ لِشَينٍ بِصورَةٍ
فَخَلفُ حِجابِ العَينِ لِلحُسنِ لامِعُ
وَأطلِق عِنانَ الحَقِّ في كُلِّ ما تَرى
فَتِلكَ تَجَلِّيّاتِ مَن هُوَ صانِعُ
فَقَد خَلَقَ الأَرضِينَ بِالحَقِّ وَالسَما
كَذا جاءَ في القُرآنِ إِذ أَنتَ سامِعُ
وَما الحَقُّ إِلّا اللَهُ لا شَيءَ غَيرُهُ
فَشمَّ شَذاهُ فَهوَ في الخَلقِ ضايِعُ
وَشاهِدهُ حَقّاً مِنكَ فيكَ فَإِنَّهُ
هُوِيَّتُكَ اللاتي بِها أَنتَ يانِعُ
وَفي أَينَما حَقّا تُوَلّوا وجوهَكُم
فَثَمَّةَ وَجهُ اللَهِ هَل مَن يُطالِعُ
فَبِع مِنكَ نَفساً لِلإِلَهِ وَكُنهُ إِذ
تَكونُ كَما إِن لَم تَكُن وَهوَ صادِعُ
وَدَع عَنكَ أَوصافاً بِها كُنتَ عارِفاً
لِنَفسِكَ فيها لِلإِلَهِ وَدائِعُ
فَشاهِدُ بِوَصفِ الحَقِّ نَفسَكَ أَنتَ هُو
وَلا تَلتَبِس لِلحَقِّ ما أَنتَ خالِعُ
وَكُن بِاليَقينِ الحَقِّ لِلخَلقِ جاحِداً
وَجَمعَكَ صِلهُ إِنَّ فَرقَكَ قاطِعُ
وَلا تَنحَصِر بِالاسمِ فَالاسمُ دارِسٌ
وَلا تَفتَقِر لِلعَينِ فَالعَينُ تابِعُ
وَإِيّاكَ حَزماً لا يَهولُكَ أَمرُها
فَما نالَها إِلّا الشُجاعُ المُقارِعُ
حَنانَيكَ وَاِحذَر مِن تَأَدُّبِ جاهِلٍ
فَيا رُبَّ آدابٍ لِقَومٍ قَواطِعُ
وَكُن ناظِراً في القَلبِ صورَةَ حُسنِهِ
عَلى هَيئَةِ المَنقوشِ يَظهَرُ طابِعُ
فَقَد صَحَّ في مَتنِ الحَديثِ تَخَلَّقوا
بِأَخلاقِهِ ما لِلحَقيقَةِ مانِعُ
وَها هُوَ سَمعٌ بَل لِسانٌ أَجَل يَدٌ
لَنا هَكَذا بِالنَقلِ أَخبَرَ شارِعُ
فَعَمَّ قُوانا وَالجَوارِحَ كَونُهُ
لِساناً وَسَمعاً ثُمَّ رِجلاً تُسارِعُ
وَلَسنا سِوى هَذي الجَوارِحِ وَالقُوى
هُوَ الكُلُّ مِنّا ما لِقَولِيَ دافِعُ
وَيَكفيكَ ما قَد جاءَ في الخَلقِ أَنَّهُ
عَلى صورَةِ الرَحمَنِ آدَمُ واقِعُ
وَلَو لَم تَكُن في وَجهِ آدَمَ عَينُهُ
لَما سَجَدَ الأَملاكُ وَهيَ خَواضِعُ
وَلَو شاهَدَت عَينٌ لِإِبليسَ وَجهَهُ
عَلى آدَمٍ لَم يَعصِ وَهوَ مُطاوِعُ
وَلَكِن جَرى المَقدورُ فَهوَ عَلى عَمىً
عَنِ العَينِ إِذ حالَت هُناكَ مَوانِعُ
فَلا تَكُ مَع إِبليسَ في شِبهِ سيرَةٍ
وَدَع قَيدَهُ العَقلِيَّ فَالعَقلُ رادِعُ
وَغُص في بِحارِ الاِتِّحادِ مُنَزِّهاً
عَنِ المَزجِ بِالأَغيارِ إِذ أَنتَ شاجِعُ
وَإِيّاكَ وَالتَنزيهَ فَهوَ مُقَيَّدٌ
وَإِيّاكَ وَالتَشبيهَ فَهوَ مُخادِعُ
وَشَبِّههُ في تَنزيهِ سُبحاتِ قُدسِهِ
وَنَزِّههُ في تَشبيهِ ما هُوَ صانِعُ
وَقُل هُوَ ذا بَل غَيرُهُ وَهوَ غَيرُ ما
عَرَفتَ وَعَينُ العِلمِ فَالحَقُّ شائِعُ
وَلا تَكُ مَحجوباً بِرُؤيَةِ حُسنِهِ
عَنِ الذاتِ أَنتَ الذاتُ أَنتَ المُجامِعُ
فَعَينَكَ شاهِدها بِمُحتَدِّ أَصلِها
فَإِنَّ عَلَيها لِلجَمالِ لَوامِعُ
أَنِيَّاتُكَ اللاتي هِيَ القَصدُ وَالمُنى
بِها الأَمرُ مَرموزٌ وَحُسنُكَ بارِعُ
وَنَفسُكَ تَحوي بِالحَقيقَةِ كُلَّ ما
أَشَرتُ بِجِدِّ القَولِ ما أَنا خادِعُ
تَهَنَّ بِها وَاِعرِف حَقيقَتَها فَما
كَعِرفانِها شَيءٌ لِذاتِكَ نافِعُ
فَحَقِّق وَكُن حَقّاً فَأَنتَ حَقيقَةٌ
وَخَلفَ حِجابِ الكَونِ لِلنورِ ساطِعُ
وَلا تَطلُبَن فيهِ الدَليلَ فَإِنَّهُ
وَراءَ كِتابِ العَقلِ تِلكَ الوَقائِعُ
وَلَكِن بِإيمانٍ وَحُسنِ تَتَبُّعٍ
إِذا قُمتَ جاءَتكَ الأُمورُ تَوابِعُ
فَإِن قَيَّدَتكَ النَفسُ فَاِطلِق عِنانَها
وَسِر مَعها حَتّى تَهونَ الوَقائِعُ
وَبَرهِن لَها التَحقيقَ عَقلاً مُؤَيَّداً
بِنَقلٍ بِهِ جاءَت إِلَيكَ الشَرائِعُ
وَثَمَّ أُصولٌ في الطَريقِ لِأَهلِهِ
وَهُنَّ إِلى سُبلِ النَجاةِ ذَرائِعُ
تَمَسَّك بِها تَنجو وَزِن كُلَّ وارِد
بِقِسطاسِها عَدلاً فَثَمَّ قَواطِعُ
وَدَع ما تَراهُ مالَ عَن حَدِّ عَدلِها
إِلى أَن تُفاجِئكَ الشُموسُ الطَوالِعُ
فَذاكَ سَبيلي رِدهُ إِن ترِدِ العُلا
وَلا تَعدُ عَنكَ تَعتَريكَ القَواطِعُ
وَإِيّاكَ فَاِصبِر لا تَمَلَّ فَإِنَّما
بِصَبرِ الفَتى جاءَت إِلَيهِ المَطامِعُ
وَهَوِّن عَلى النَفسِ اِرتِكاباً لِهَولِها
فَغَيرُ مُحِبٍّ مَن دَهَتهُ الفَجائِعُ
وَرِد كُلَّ حَوضٍ لِلرَدى فيهِ مَورِداً
وَرُدَّ إِذا ما العَقلُ جاءَ يُدافِعُ
وَشَمِّر بِبَذلِ النُصحِ ساقَ عَزيمَةٍ
عَلى قَدمِ الإِقدامِ فَالعَجزُ مانِعُ
وَدَع عَنكَ عَلَّ وَعَسى وَلَرُبَّما
وَسَوفَ إِذا نوديتَ قَمتَ تُسارِعُ
فَلَيسَ لِنَفسٍ غَيرُ حالَةِ وَقتِها
وَقَد فاتَ ماضيها وَغابَ المُضارِعُ
وَجَدِّد مَعَ الأَنفاسِ صِدقَ إِرادَةٍ
وَداوِم عَلى الإِقبالِ ما أَنتَ تابِعُ
وَجَرِّع حَشاكَ السُمَّ في طاعَةِ الهَوى
فَما خابَ مَن في الحُبِّ لِلسُّم جارِعُ
وَعِدَّ عَلَى اللَحَظاتِ أَنفاسَكَ الَّتي
عَلى غَفَلاتٍ قَد صَدَرنَ زَوامِعُ
وَلا تَنتَظِر أَيّامَ صِحَّتِكَ الَّتي
تُمَنّيكَ نَفسٌ فَالأَماني خَدائِعُ
وَسِر فَوقَ نيرانِ المَلامِ مُهَروِلاً
إِلَيها فَفي قَصدِ الغَرامِ مَصارِعُ
وَغُضَّ عَنِ الآلامِ جَفنَ مُطالِعٍ
أَلا إِنَّ نَعتَ الحُبِّ نَفسٌ تُنازِعُ
فَكُلُّ البَلا إِن خُضتَهُ في هَوائِها
هَواناً فَلا لسوى عَلَيكَ صَنائِعُ
وَإِن شَبَّ نارُ النَفسِ يَوماً مَلالَها
فَصُبَّ سَحاباً بِالتَصَبُّرِ هامِعُ
وَإِن خاطَبَتكَ النَفسُ يَوماً بِرَجعَةٍ
فَشَفِّف لَها كَأساً مِنَ السُمِّ ناقِعُ
وَعاقِب وَرَكِّبها عَلى مَتنِ نازِلٍ
بِما هُوَ فيما هالَها مُتَدافِعُ
وَجَرِّد لَها مِن غَمدِ عَزمِكَ صارِماً
يَبُتُّ التَواني لِلعَلائِقِ قاطِعُ
وَاِلبَس سَراويلَ الخَلاعَةِ خالِعاً
ثِيابَ الغِنى تَخلَع عَلَيكَ الخَلائِعُ
وَقُم وَأَقِم حَرباً عَلى النَفسِ حاذِراً
فَما مَوتُها لِلآمِنينَ مُخادِعُ
وَدَع عَنكَ آمالاً فَكَم مِن مُؤَمِّلٍ
لِشُؤم هَوى آمالِهِ العُمرُ ضائِعُ
وَحاسِب عَلى الخَطراتِ قَلبَكَ حافِظاً
لَهُ عَن حَديثِ النَفسِ فَهوَ شَنائِعُ
وَاِضبِط لَها الإِحساسَ فيهِ مُراقِباً
فَإِنَّ لِنَقشِ الحِسِّ في النَفسِ طابِعُ
وَوِردُكَ في صُبحِ الهَوى وَمَسائِهِ
أَسىً وَعُيونٌ بِالدُموعِ هَوامِعُ
وَقاطِع لِمَن واصَلتَ أَيّامَ غَفلَةٍ
فَما واصَلَ العُذّالَ إِلّا مُقاطِعُ
وَجانِبُ جَنابَ الأَجنَبِي وَلَو أَنَّهُ
لِقُربِ اِنتِسابٍ في المَنامِ مُضاجِعُ
فَلِلنَفسِ مِن جُلّاسِها كُلُّ نِسبَةٍ
وَمِن خُلَّةٍ لِلقَلبِ تِلكَ الطَبائِعُ
وَلا تَنهَمِك في القَولِ أَو في سَماعِهِ
وَلَو أَنَّ فيهِ مِن بَلاغٍ مُصاقِعُ
فَكُلُّ حَديثٍ قيلَ أَو سَنَقولُهُ
عَنِ العَينِ في التَحقيقِ لِلعَينِ رادِعُ
فَسِرُّ الهَوى عَن قائِليهِ مُحَجَّبٌ
وَما القيلُ لِلعُشّاقِ وَالقالُ نافِعُ
وَرَمزُ الهَوى سِرٌّ وَمَدفَنُهُ الحَشا
وَدونَكَ وَالتَصريحَ عَنهُ مَوانِعُ
وَإِنّي لمن في الحُبِّ يُهدى بِهَديِهِ
فَإِنَّكَ لا تَهدي مَن أَحبَبتَ قانِعُ
فَدَع عَنكَ دَعوى القَولِ في نُكتَةِ الهَوى
فَراحِلَةُ الأَلفاظِ في السَيرِ ضالِعُ
وَسِر في الهَوى بِالروحِ وَاِصغِ إِلى الهَوا
لِتَسمَعَ مِنهُ سِرَّ ما أَنتَ والِعُ
وَمِن دونِ هَذاكِ السَماعِ مَهالِكٌ
وَما كُلُّ أُذنٍ فيهِ تِلكَ المَسامِعُ
فَشَمِّر وَلُذ بِالأَولِياءِ فَإِنَّهُم
لَهُم مِن كِتابِ الحَقِّ تِلكَ الوَقائِعُ
هُمُ الذُخرُ لِلمَلهوفِ وَالكَنزُ لِلرَجا
وَمِنهُم يَنالُ الصَبُّ ما هُوَ طامِعُ
بِهِم يُهتَدى لِلعَينِ مَن ضَلَّ في العَمى
لَهُم يُجذَبُ العُشّاقُ وَالرَبعُ شاسِعُ
هُمُ القَصدُ وَالمَطلوبُ وَالسُؤلُ وَالمُنى
وَاِسمُهُم لِلصَبِّ في الحُبِّ شافِعُ
هُمُ الناسُ فَالزَم إِن عَرَفتَ طَريقَهُم
فَفيهِم لِضُرِّ العالَمينَ مَنافِعُ
فَإِن جهِلوا فَاِنظُر بِحُسنِ عَقيدَةٍ
إِلى كُلِّ مَن تَلقاهُ بِالفَقرِ ضارِعُ
وَحافِظ مَواثيقَ الإِرادَةِ قائِماً
بِشَرعِ الهَوى إِن أَنتَ في الحُبِّ شارِعُ
وَداوِم عَلى شَرطَينِ ذِكرُ أَحِبَّةٍ
وَتَسليكُ نَفسٍ لِلخِلافِ تُسارِعُ
فَلا تُهمِلَن ذِكرَ الأَحِبَّةِ لَمحَةً
وَداوِم خِلافَ النَفسِ فَهيَ تُتابِعُ
وَقُم وَاِستَقِم في الحُبِّ لا تَخشى ضَلَّةً
فَمَيلُ الفَتى عَمّا يُحاوِلُ رادِعُ
وَإِن ساعَدَ المَقدورُ أَو ساقَكَ القَضا
إِلى شَيخِ حَقٍّ في الحَقيقَةِ بارِعُ
فَقُم في رِضاهُ وَاِتَّبِع لِمُرادِهِ
وَدَع كُلَّ ما مِن قَبلُ كُنتَ تُصانِعُ
وَكُن عِندَهُ كَالمَيتِ عِندَ مُغَسِّلٍ
يُقَلِّبُهُ ما شاءَ وَهوَ مُطاوِعُ
وَلا تَعتَرِض فيما جَهِلتَ مِنَ امرِهِ
عَلَيهِ فَإِنَّ الإِعتِراضَ تنازعُ
وَسَلِّم لَهُ مَهما تَراهُ وَلَو يَكُن
عَلى غَيرِ مَشروعٍ فثَمَّ مَخادِعُ
فَفي قِصَّةِ الخضرِ الكَريمِ كِفايَةٌ
بِقَتلِ الغُلامِ وَالكَليمُ يُدافِعُ
فَلَمّا أَضاءَ الصُبحُ عَن لَيلِ سِرِّهِ
وَسَلَّ حُساماً لِلمُحاجِجِ قاطِعُ
أَقامَ لَهُ العُذرَ الكَليمُ وَإِنَّهُ
كَذَلِكَ عِلمُ القَومِ فيهِ بَدائِعُ
وَواظِب شُهودَ العِلمِ فيكَ فَإِنَّهُ
هُوَ الحَقُّ وَالأَنوارُ فيكَ سَواطِعُ
وَرَقّ مَقامَ القَلبِ مِن نَجمِ رَبِّهِ
إِلى قَمَرِ الرَحمَنِ إِذ هُوَ طالِعُ
إِلى شَمسِ تَحقيقِ الأُلوهَةِ رافِعاً
إِلى ذاتِهِ لِلقَدرِ إِذ أَنتَ رافِعُ
فَلِلَّهِ خَلفَ الاسمِ وَالوَصفِ مَظهَرٌ
وَعَنهُ عُيونُ العالَمينَ هَواجِعُ
فَلَيسَ يُرى الرَحمَنُ إِلّا بِعَينِهِ
وَذَلِكَ حُكمٌ في الحَقيقَةِ واقِعُ
وَإِيّاكَ لا تَستَبعِدِ الأَمرَ إِنَّهُ
قَريبٌ عَلى مَن فيهِ لِلحَقِّ تابِعُ
وَها أَنا ذا أُنبيكَ عَن سُبُلِ الهَوى
وَأُفصِحُ عَمّا قَد حَوَتهُ المَشارِعُ
أَقُصُّ حَديثاً تَمَّ لي مِن بِدايَتي
لِنَحوِ اِنتِهائي عَلَّهُ لَكَ نافِعُ
بَرَزتُ مِنَ النورِ الإِلَهِيِّ لَمعَةً
لِحِكمَةِ تَرتيبٍ قَضَتها البَدائِعُ
إِلى سَقفِ عَرشِ اللَهِ في أُفُقِ العُلا
وَمِنهُ إِلى الكُرسِيّ حَيثُ أُسارِعُ
إِلى القَلَمِ الأَعلى وَلي مِنهُ بَرزَةٌ
إِلى اللَوحِ لَوحِ الأَمرِ لِلخَلقِ واسِعُ
إِلى الهَبَإِ السامي وَقيلَ مُكَرَّماً
نَزَلتَ الهُيولى وَهيَ لِلخَلقِ جامِعُ
هُناكَ تَلَقَّتني العَناصِرُ حِكمَةً
وَمِنها اِجتَلَتني في حِماها الطَبائِعُ
وَأَنزَلَني المَقدورُ مِن أَوجِ أَطلَسٍ
إِلى الفَلَكِ العالي الذُرى وَهوَ تاسِعُ
وَمِنهُ هُبوطي لِلكَواكِبِ نازِلاً
عَلى فَلَكِ كيوانَ ثَمَّةَ سابِعُ
فَلَمّا نَزَلتُ المُشتَرى وَهوَ سادِسٌ
سَماءٌ بِهِ لِلسَعدِ في الكَونِ تابِعُ
أَتَيتُ سَما بِهرامَ مِن بَعد هابِطاً
عَلى فَلَكٍ لِلشَمسِ وَالشَمسُ رابِعُ
وَفي كُرَةِ الزَهراءِ أَعني سَماءها
حَثَثتُ مَطِيَّ السَيرِ وَالدارُ شاسِعُ
عَلى كاتِبِ الأَفلاكِ وَهوَ عطارِدُ
وَفَدتُ وَكانَت لي هُناكَ مَراتِعُ
وَبِالقَمَرِ الباهي نَزَلتُ وَشُرِّعَت
عَلى الفَلَكِ الناري الأَثيرِ شَرائِعُ
وَمِنهُ هَوى لِلأَمرِ في فَلَكِ الهَوا
رَكائِبُ عَزمٍ ما لَهُنَّ مَوانِعُ
وَبِالكُرَةِ المائِيَّةِ العَينِ إِذ سَرَت
أَضافَت رِكابَ العَزمِ فيها البَلاقِعُ
فَهَذا نُزولُ الجِسمِ مِن عِندِ رَبِّهِ
وَلِلروحِ تَنزيلٌ مَجازٌ مُتابِعُ
وَذَلِكَ أَنَّ الروحَ في المَركَزِ الَّذي
لَها هِيَ روحُ الحَقِّ فَافهَم أسامِعُ
فَلَيسَ لَها فيهِ هُبوطٌ مُنَزَّلٌ
وَلَيسَ لَها مِنهُ صُعودٌ مُرافِعُ
وَلَكِنَّ في تَعيينِها بِمُخَصَّصٍ
تَنَزَّلَ عَن حُكمٍ بِأَن هُوَ شائِعُ
وَذَلِكَ لِلأَرواحِ خَلقٌ حَقيقَةً
وَذَلِكَ تَنزيلٌ لَها وَقَواطِعُ
فَفي المَثَلِ المَشهورِ وَجهٌ تَنَوَّعَت
سَرائِرُهُ حَتّى بَدا مُتَناوِعُ
فَيَبرُزُ في حُكمِ المِرآةِ لِلوَرى
عَلى الجُرمِ وَالمِقدارِ إِذ ذاكَ طابعُ
فَتَنويعُها ذاكَ التَجَلّي هُوَ الَّذي
تُسَمّيهِ روحاً وَهوَ بِالنَفخِ واقِعُ
وَإِلّا فَلا اسمٌ لَهُ غَيرَ رَبِّنا
وَلَيسَ لَهُ إِلّا الصِفاتُ مَواضِعُ
تَنَزَّهَ رَبّي عَن حُلولٍ بِقُدسِهِ
وَحاشاهُ ما بِالإِتِّحادِ تُجامِعُ
فَمَهما تَحِلُّ الروحُ جِسماً فَإِنَّها
لِتَصويرِ ذاكَ الجِسمِ في الصورِ تابِعُ
وَيَتبَعُها في نَصبِها وَاِرتِفاعِها
وَتَتبعُهُ إِن جَرَّ يَوماً طَبائِعُ
فإِن قَوِيَت بِالتَزكِياتِ رَقَت بِهِ
إِلى المَركَزِ العالي الَّذي هُوَ رافِعُ
وَإِن ضَعُفَت وَاِستَقوَتِ النَفسُ وَالهَوى
تَكُن تَبَعاً لِلجِسمِ إِذ هُوَ تابِعُ
فَتَشقى بِهِ في سِجنِ طَبعٍ وَإِن رَقَت
بِهِ كانَ مَسعوداً وَفي العِزِّ راتِعُ
وَإِنَّ نُزولَ الجِسمِ لِلخَلقِ في الثَرى
سَواءٌ وَلَكِن بَعدَ ذاكَ تُنازِعُ
فَمَن سَبَقَت لِلَهِ فيهِ عِنايَةٌ
فَغَيرُ مَكوثٍ في التُرابِ مُسارِعُ
وَمَن أَبعَدَتهُ السابِقاتُ فَإِنَّهُ
لَهُ بَينَ نَبتٍ وَالتُرابِ مَراجِعُ
فَقَد يَكُ عُشباً ثُمَّ تَرعاهُ دابَةٌ
وَيَترُبُ إِذ يَفنى وَيَخضَرُّ يانِعُ
عَلى قَدرِ تكرارِ التَرَدُّدِ بَعدَهُ
لَنَسِيَ عُهوداً بِالحِمى وَوَقائِعُ
وَعِندَ مُرورِ النَفسِ في كُلِّ مَنزِلٍ
سَيُنقَشُ فيها مِنهُ طَبعاً طَبائِعُ
فَتَظهَرُ نَفسُ المَرءِ كامِلَةَ البَها
وَمِن نُسخَةِ الأَكوانِ فيها خَلائِعُ
لِتَذكُرَ بِالمَشهودِ غائِبَ أَمرِها
فَيَرجِعَ لِلأَوطانِ مَن هُوَ راجِعُ
جَرى أَشهبُ الأَلفاظِ في بَيانِها
بِمِضمارِهِ حَتّى عَلَونَ مَنافِعُ
سَأَلوي عِنانَ القَولِ نَحوَ مَكانِهِ
لِتُطلَقَ فيهِ عَن قُيودٍ شَرائِعُ
فَلَمّا نَزَلتُ الأَرضَ ماءَ حَياتِها
وَأَثمَرَ لي أَصلٌ هُنالِكَ يانِعُ
وَكانَ إِذا أَنبَت حَبَّ غُصونِها
أَرُزّاً فَصَدِّق أَنَّني لمُطالِعُ
وَساقَ القَضا تِلكَ الحُبوبَ فَغُذِّيا
بِها أَبَوايَ الأَطهَرانِ جَوامِعُ
وَحَلَّ مِزاجُ الحَبِّ في الجِسمِ مادةً
وَتَمَّت لِكَيموسَ دَمٍ وَبَخائِعُ
فَلَمّا دَنا آنُ البُروزِ تَجامَعا
بِعَقدِ حَلالٍ نِعمَ ذاكَ التَجامُعُ
وَلَمّا تَلاقى مِنهُ ماءٌ بِمائِها
وَأَبدَعَ بِالتَرتيبِ نَشوِيَ بادِعُ
وَكانَ اِقتِضاءُ النشوءِ أَنِّيَ روحُهُ
وَتَعبيرُ نَفخِ الروحِ عَن ذاكَ واقِعُ
فَصَوَّرَ شَخصي بِاليَدَينِ مُصَوِّري
لِيَطبَعَ لِلضِدَّينِ فِيَّ طَوابِعُ
وَأَخرَجَني مِن بَعدِ تَكميلِ هَيكَلي
إِلى العالَمِ الأَرضِيِّ مَن هُوَ صانِعُ
فَفي أَوَّلِ الشَهرِ الحَرامِ مُحَرَّمٌ
ظُهوري وَبِالسَعدِ العطارِدِ طالِعُ
لِسِتّينَ مِن سَبعٍ عَلى سُبعُمائَةٍ
مِنَ الهِجرَةِ الغَرّا سَقَتني المَراضِعُ
وَمُذ كُنتُ طِفلاً فَالمَعالي تَطَلُّبي
وَتَأنَفُ نَفسي كُلَّ ما هُوَ واضِعُ
وَلي هِمَّةٌ كانَت وَها هِيَ لَم تَزَل
عَلى أَن لَها فَوقَ الطِباقِ مَواضِعُ
وَقَد كُنتُ جَمّاحاً إِلى كُلِّ هَيئَةٍ
فَخُضتُ بِحاراً دونَهُنَّ فَجائِعُ
وَكُلُّ الأَماني نِلتُها وَهيَ إِن عَلَت
بِها بَعدَ نَيلِ القَصدِ ما أَنا قانِعُ
إِلى أَن أَتَتني مِن قَديمِ عِنايَةٍ
أَيادٍ لَها مُذ كُنتُ عِندي صَنائِعُ
وَهَبَّ نَسيمُ الجودِ مِن أَيمَنِ الحِما
وَصُبَّ سَحابٌ بِالتَعَطُّفِ هامِعُ
وَأَحيا الحَيا أَرضَ الفُؤادِ فَأَعشَبَت
وَغَنَّت عَلى عودِ الوِصالِ سَواجِعُ
فَهِمتُ مِنَ المَغنى مَعاني أَحِبَّتي
فَهِمتُ مُعَنّى بِالصَبابَةِ والِعُ
وَلاحَظتُ في فِعلي قَضاءَ مُرادِها
وَأَبصَرت صُنعي أَنَّها هِيَ صانِعُ
أَتَيتُ إِلَيها راغِباً في مُرادِها
وَما لِيَ في شَيءٍ سِواها مَطامِعُ
وَفَرَّغتُ مَشغولَ الفُؤادِ عَنِ السَوى
فَما أَنا في غَيرِ الحَبيبِ مُطالِعُ
فَلَمّا أَضاءَت في الحَشا جَذوَةُ الهَوى
وَأَومَضَ مِن سَفحِ المَحَبَّةِ لامِعُ
سَقاني الهَوى كَأسَ الغَرامِ وَلَم يَكُن
عَلى ساحَةِ الوِجدانِ بِالكَرمِ مانِعُ
فَقاطَعتُ نِدماني وَواصَلتُ لَوعَتي
وَهاجَرتُ أَوطاني فَبانَت مَرابِعُ
تَرَكتُ لَها الأَسبابَ شُغلاً بِحُبِّها
وَوَجداً بِنارٍ قَد حَوَتها الأَضالِعُ
وَأَشغَلَني شُغلي بِها عَن شَواغِلي
وَفيها فَإِنّي لِلعَذارِ مُخالِعُ
خَلَعتُ عَذاري في الهَوى وَزَهِدتُ في
مَكاني وَإِمكاني وَما أَنا جامِعُ
وَأَلقَيتُ إِنساني فَأَلفَيتُ مُنيَتي
وَجافَيتُ نَومي بَل جَفَتني المَضاجِعُ
وَسَلَّمتُ نَفسي لِلصَبابَةِ راضِياً
بِحُكمِ الهَوى تَحتَ المَذَلَّةِ خاضِعُ
وَفَوَّضتُ أَمري في هَواها تَوَكُلا
لِيَقطَعَ في حُكمي بِما هُوَ قاطِعُ
وَأَنزَلَني مِن أَوجِ عِزِّيَ ذِلَّة
فَلي بَعدَ رَفعِ الإِقتِدارِ تواضعُ
غَنِيتُ فَأَغنَانِي غِنَايَ بِحُبِّهَا
وَعِندِي افتِقَاراً نَحوَهَا وَضَرَائِعُ
طَرَحتُ عَلى أَرضِ الهَوانِ رِياسَتي
لَها نعَمٌ طَرحاً لِقَدرِيَ رافِعُ
لَبستُ لِباسَ الوَجدِ فيها خَلاعَةً
لِباسَ الهَوى في الحُبِّ ما أَنا خالِعُ
وَمُذ أَودَعَتني تُربَةُ الذُلِّ وَالشَقا
فَروحي وَروحي راحِلٌ وَمُوادِعُ
وَلي في هَواها هَتكَةٌ وَتَبَدُّدٌ
عَلى أَنَّهُ لي مِن نَواها مَصارِعُ
جَعَلتُ اِفتِقاري في الغَرامِ وَسيلَتي
وَيا ضَعفَ مَشغوفٍ لَهُ الفَقرُ شافِعُ
وَجِئتُ إِلَيها راغِباً لا مَثوبَةً
وَلَكِن لَها مُنىً إِلَيها أُسارِعُ
سَكَنتُ الفَلا مُستَوحِشَاً مِن أَنيسِها
وَمُستَأنِساً بالوَحشِ وَهيَ رَواتِعُ
أَنوحُ فَيُسجيني حَمامٌ سَواجِعُ
وَأَبكي فَيَحكيني غَمامٌ هوامِعُ
وَلي إِن عَوى ذِئبٌ عَلى فَقدِ إِلفِهِ
زَفيرٌ لَهُ في الخافِقَينِ صَدائِعُ
وَإِن غَرَّدَت قُمرِيَّةٌ فَوقَ أَيكَةٍ
تُجاوِبُ قُمرِيّاً عَلى البابِ ساجِعُ
فَإِنَّ لِأَنّاتي وَتَأويهِ لَوعَتي
بِتِلكَ الفَيافي في الظَلامِ تَراجُعُ
وَبي مِن مَريضِ الجَفنِ سُقمٌ مُبَرِّحٌ
وَلي مِن عَصِيِّ القَلبِ دَمعٌ مُطاوِعُ
نَحلتُ مِنَ الآلامِ حَتّى كَأَنَّني
مُقَدَّر مَفروض وَما هُوَ واقِعُ
فَجِسمي وَأَسقامي مُحالٌ وَواجِبٌ
وَدَمعي وَخَدّي أَحمَرٌ وَفَواقِعُ
فَلَو نَقَطَ الخَطّاطُ حَرفاً لِهَيكَلي
عَلى سَطحِ لَوحٍ ما رَآهُ مُطالِعُ
أُسائِلُ مَن لاقَيتُ وَالدَمعُ سائِلٌ
عَنِ الجِزعِ وَالسُكّانِ وَالقَلبُ جازِعُ
تَحارَبَ جَفني وَالكَرى فَتَفانَيا
وَسالَمَ قَلبي الحُزنَ فَهوَ مُبايِعُ
وَقَد قُيِّدَت بِالنَجمِ أَهدابُ مُقلَتي
كَما أُطلِقَت عَن قَيدِهِنَّ المَدامِعُ
وَأَسقَطَ قَدري في الوَرى شِنعَةُ الهَوى
وَعِندِيَ أَنَّ العِزَّ تِلكَ الشَنائِعُ
وَكَم مَرَّ بِي مَن كُنتُ أَرفَعُ قَدرَهُ
كَأَنِّي لَهُ مِن بَعدِ ذَلِكَ وَاضِعُ
وَيَنكُفُ إِن أَلقاهُ بي مُتَطَيِّراً
وَما هُوَ إِن حَدَّثتُهُ لِيَ سامِعُ
فَما لِيَ في الأَحياءِ ما عِشتُ صاحِبٌ
وَما لِيَ حَقّاً لَو أَموتُ مُشايِعُ
وَما لِيَ إِن حَدَّثتُهُم مِن مُجاوِبٍ
وَلا إِن دَهاني الخَطبُ فيهِم مُدافِعُ
كَأَن لَم أَكُن في الحَيِّ أَرفَعَ أَهله
مَكاناً وَقَدري في المَكانَةِ مانِعُ
ذَلَلتُ إِلى أَن خِلتُ أَنّي لَم أَزَل
أَذَلَّهُم قَدراً فَها أَنا خاضِعُ
وَأَحسبُ أَنَّ الأَرضَ تَنكُفُ أَن تَرى
وَلي في ثَراها مَذهَبٌ وَمَشارِعُ
رَعى اللَهُ أَحزاناً رَعَينَ مَوَدَّتي
فَهُنَّ لِقَلبي حَيثُ كُنتُ تَوابِعُ
نَعَم وَسَقى وَجداً مَدى الدَهرِ مُؤنِسي
فَكَم لَكَ يا وَجدي عَلَيَّ صَنائِعُ
وَيا زَفَراتي اِصعَدي وَتَنفَّسي
فَقَد هَمَلت مِن فَيضِ جَفني المَدامِعُ
وَيا كَبِدي في الحُبِّ ذوبي صَبابَةً
وَيا كَمَدي دُم إِنَّني بِكَ يانِعُ
وَيا جَسَدي هَل فيكَ مِن رَمَقٍ فَما
أَراكَ سِوى بِالوَهمِ عَبدٌ مُطاوِعُ
وَيا مُهجَتي وَالرَسمُ مِنّي دارِسٌ
وَيا طَلَلَ الأَحشاءِ فَجعُكَ صارِعُ
وَيا جَفنِيَ المَقروحَ قَد فَنِيَ الدِما
وَيا قَلبِيَ المَجروح هَل أَنتَ قارِعُ
وَيا ذاتِيَ المَعدومَ هَل لَكَ بَعثَةٌ
وَيا صَبرِيَ المَهزومَ هَل أَنتَ راجِعُ
وَيا خَفَقانَ القَلبِ زِدني كَآبَةً
وَيا نارَ أَحشايَ حَنينَ الأَضالِعُ
وَيا نَفسِيَ الحَرّاءَ موتي تَلَهُّفاً
فَما لَكِ في دينِ المَحَبَّةِ شافِعُ
وَيا روحِيَ المَتعوبَ صَبراً عَلى البَلا
وَيا عَقلِيَ المَسلوبَ هَل أَنتَ والِعُ
وَيا ما بَقي في الوَهمِ مِنّي وُجودُهُ
عَدِمتُكَ شَيئاً وَقعُهُ مُتَمانِعُ
وَيا مُسقِمي زِدني أَسىً وَتَبَدُّداً
فَلَيسَ لِضُرّي غَيرَ سُقمِيَ نافِعُ
وَيا عاذِلي كَرِّر فَإِنّي وَإِن أَكُن
إِلى العَذلِ لا أُصغي فَلِلذِكرِ سامِعُ
وَيا قاضِياً في الحُبِّ يُقضى بِعَدلِهِ
تَحَكَّم بِجَورٍ إِنَّني لَكَ طائِعُ
جَعَلت وُجودي فانِياً في بَقائِها
أَلا فَاِقضِ ما تَقضي فَما أَنا جازِعُ
وَحَقَّقتُ أَنّي في وُجودِيَ قائِماً
بِها وَوُجودي مَكرَةٌ وَخَدائِعُ
فَمِن مِصرَ أَرضي قَد خَرَجتُ لِمَديَنٍ
لَعَلَّ شُعَيبَ القَلب فيهِ صَدائِعُ
فَأَلفَيتُ بِنتَي عادَتي وَطَبائِعي
تَذودانِ أَغنامي وَمائِيَ نابِعُ
سَقَيتُ مِنَ الماءِ اليَقينِ غَنائِمي
وَمِن رَعيِ زَهرِ العِلمِ هُنَّ شَوابِعُ
وَجاءَت عَلى اِستِحياءِ ذاتي لِرَبِّها
بِتَوحيدِها إِحداهُما وَهيَ تُسارِعُ
فَلَمّا تَزَوَّجتُ الحَقيقَةَ صُنتُها
وَأَمهَرتُها بِالروحِ تِلكَ الشَرائِعُ
صَعَدتُ مَعالي طورِ قَلبي مُناجِياً
لِرَبّي حَتّى أَن بَدَت لي لَوامِعُ
وَخَلَّفتُ أَهلي وَهيَ نَفسي تَرَكتُها
وَجِئتُ إِلى النورِ الَّذي هُوَ ساطِعُ
فَنادانِيَ التَوحيدُ نَعلَيكَ دَعهُما
فَها أَنا ذا لِلروحِ وَالجِسمِ خالِعُ
وَكَلَّمني التَحقيقُ مِن شَجَرِ الحَشا
بِأَنِّيَ بِالوادي المُقَدَّسِ راتِعُ
فَسِرتُ بِعَقلي مَع فَتايَ وَحوتِهِ
إِلى مَجمَعِ البَحرَينِ وَالعَقلُ تابِعُ
هُناكَ نَسيتُ الحوتَ وَهوَ أَنِيَّتِي
فَسَبَّحَ في بَحرِ الحَقيقَةِ شارِعُ
عَلى إِثرِيَ اِرتَدَّيتُ حَتّى لَقيتُ مَن
هُوَ الأَصلُ إِذ نَقشٌ أَنا وَهوَ طابعُ
فَلَمّا تَعارَفنا وَلَم يَبقَ نُكرَةٌ
طَلَبتُ اِتِّباعاً كَي يَفوزَ مُتابِعُ
فَأَغرَقَ فَي بَحرِ الإِلَهِ سَفينَتي
وَخَرَّ غُلامُ الشِركِ إِذ هُوَ جازِعُ
وَجُزنا بِلادَ اللَهِ قَريَةَ غُربَةٍ
وَفيها لِقَلبي مُنحَنىً وَأَجارِعُ
أَرَدنا ضِيافاتٍ أَبَوا أَن يُضَيِّفوا
لِتُسدَلَ في وَجهِ البُدورِ بَراقِعُ
هُناكَ جِدارُ الشَرعِ خضري أَقامَهُ
لَئِلّا تُرى بِالعَينِ تِلكَ الشَرائِعُ
فَإِن فَهِمَت أَحشاكَ ما قُلتُ مُجمَلاً
وَإِلّا فَبِالتَفصيلِ ها أَنا صادِعُ
رَأَيتُ قِيامي راجِعاً نَحوَ رَبِّهِ
تَقَهقَرَ مِنّي لِلحَبيبِ مَراجِعُ
فَعايَنتُ أَنّي كُنتُ في العِلمِ ثابِتاً
وَلِلحَقِّ عِلمُ الحَقِّ في الحُكمِ تابِعُ
وَبِالعِلمِ فَالمَعلومُ أَيضاً مُلَحّقٌ
وَلَيسَ لِهَذا الحُكمِ في العَقلِ رادِعُ
فَحينَئِذٍ حَقَّقتُ أَنّي نَفخَةٌ
مِنَ الطيبِ طيبِ اللَهِ في الخَلقِ ضايِعُ
وَما النَشرُ غَيرُ المِسكِ فَاِفهَم إِشارَتي
وَيُغنيكَ فَالتَصريحُ لِلسِرِّ ذائِعُ
فَلاحَظتُ في فِعلي قَضاءَ مُرادِها
وَأَبصَرتُ صُنعي أَنَّها هِيَ صانِعُ
تُحَرِّكُني مَستورَةً بِأَنِيَّتي
وَما سِترُها إِلّا لِما فِيَّ مانِعُ
فَسَلَّمتُ نَفسي حَيثُ أَسلَمَني القَضا
وَما لِيَ مَع فِعلِ الحَبيبِ تَنازُعُ
فَطَوراً تَراني في المَساجِدِ عاكِفاً
وَأَنّي طَوراً في الكَنائِسِ راتِعُ
أَرانيَ كَالآلاتِ وَهوَ مُحَرِّكي
أَنا قَلَمٌ وَالاقتِدارُ الأَصابِعُ
وَلَستُ بِجَبرِيٍّ وَلَكِن مُشاهِد
فِعالُ مُريدٍ ما لَهُ مَن يُدافِعُ
فَآوِنَة يَقضي عَلَيَّ بِطاعَةٍ
وَحيناً بِما عَنهُ نَهَتنا الشَرائِعُ
لِذاكَ تَراني كُنتُ أَترُكُ أَمرَهُ
وَآتي الَّذي يَنهاهُ وَالجَفنُ دامِعُ
وَلي نُكتَةٌ غَرّا هُنا سَأَقولُها
وَحُقَّ لَها أَن تَرعَويها المَسامِعُ
هِيَ الفَرقُ ما بَينَ الوَلِيِّ وَفاسِقٍ
تَنَبَّه لَها فَالأَمرُ فيهِ بَدائِعُ
فَما هُوَ إِلّا أَنَّهُ قَبلَ وَقعِهِ
يُخَبِّرُ قَلبي بِالَّذي هُوَ واقِعُ
فَأَجني الَّذي يَقضيهِ فِيَّ مُرادُها
وَعَيني لَها قَبلَ الفِعالِ تُطالِعُ
وَكُنتُ أَرى مِنها الإِرادَةَ قَبلَ ما
أَرى الفِعلَ مِنّي وَالأَسيرُ مُطاوِعُ
فَآتي الَّذي تَهواهُ مِنّي وَمُهجَتي
لِذَلِكَ في نارٍ حَوَتها الأَضالِعُ
فَإِن كُنتُ في حُكمِ الشَريعَةِ عاصِياً
فَإِنِّيَ في عِلمِ الحَقيقَةِ طائِعُ
وَكَم رَكِبَت نَفسي مِنَ الهَولِ مَركَباً
فَيا درّها لِلَّهِ كَيفَ تُصارِعُ
فَكانَت إِذا هالَها الأَمرُ عايَنَت
إِرادَةَ مَن تَهوى أَتَتهُ تُسارِعُ
وَكَم جَرَّدوا لِلحَربِ فَاِستَلهَت بِما
أَرادَ حَبيبي فَاِزدَرَتها الوَقائِعُ
وَكَم داسَها نَعلٌ عَلى أُمِّ رَأسِها
فَلَمّا تَوَلَّت أَقبَلَت وَهيَ خاضِعُ
وَكَم كانَ صَدري لِلنِبالِ عَريضَةً
وَعِرضي لِسَهمِ الطاعِنينَ مَواقِعُ
وَكَم كُنتُ أَيضاً لِلمُرادِ مُجَرّداً
مِنَ الغِمدِ سَيفاً بِالدِما وَهوَ ناشِعُ
وَكَم هِجتُ ناراً لِلوَغى بَينَ أَضلُعي
وَبَيني وَبَينَ الغَيرِ وَالأَمرُ شائِعُ
وَكَم قَبَّلَت رِجلي فَمٌ فَضَرَبتُهُ
بِها عَامِداً إِضرارَهُ وَمُقاطِعُ
وَكُلُّ الَّذي آتيهِ آتيهِ ناظِراً
لِمَثبَتَةٍ في اللَوحِ أَنِّيَ تابِعُ
فَلَمّا مَضى لَيلي وَوَلَّت نُجومُهُ
وَأَشرَقَ شَمسي في الألوهَةِ ساطِعُ
سُلِبتُ إِرادَتي وَحَولي وَقُوَّتي
وَكُلُّ وُجودي وَالحَيا وَالمَجامِعُ
فَنيتُ بِها عَنّي فَما لي أَنِيَّةٌ
هوِيَّةُ لَيلى لِلأَنِيّاتِ قامِعُ
وَكُنتُ كَما أَن لَم أَكُن وَهوَ أَنَّهُ
كَما لَم يَزَل فَرداً وَلِلكُلِّ جامِعُ
وَغُيِّبتُ عَن تِلكَ المَشاهِدِ كُلِّها
وَعَنّي وَعَن غَيبوبَتي أَنا زامِعُ
فَلا أَنا إِن حَدَّثتُ يَوماً مُخاطِبٌ
وَإِن أَسمَعوني القَولَ ما أَنا سامِعُ
وَلا أَنا إِن كَلَّمتُهُم مُتَكَلِّمٌ
وَلا أَنا إِن نازَعوني مُنازِعُ
فَلَمّا فَنى مِنّي وُجودُ هوِيَّتي
وَباعَ البَقا بِالمَوتِ مَن هُوَ بائِعُ
خَبَتني فَكانَت فِيَّ عَينَ نِيابَةٍ
أَجَل عوضاً بَل عَينُ ما أَنا واقِعُ
فَكُنتُ أَنا هِيَ وَهيَ كانَت أَنا وَما
لَها مِن وُجودٍ مُفرَدٍ مَن يُنازِعُ
بَقيتُ بِها فيها وَلا تاءَ بَينَنا
وَحالي بِها ماضٍ كَذا وَمُضارِعُ
وَلَكِن رفعت النَفسَ فَاِرتَفَعَ الحِجا
وَنُبِّهتُ مِن نَومي فَما أَنا ضاجِعُ
وَشاهَدتَني حَقاً بِعَينِ حَقيقَتي
فَلي في جَبينِ الحُسنِ تِلكَ الطَلائِعُ
جَلَوتُ جَمالِيَ فَاِجتَلَيتُ مِرآتي
لِيُطبَعَ فيها لِلكَمالِ مَطابِعُ
فَأَوصافُها وَصفي وَذاتِيَ ذاتُها
وَأَخلاقُها لي في الجَمالِ مَطالِعُ
وَاِسمِيَ حَقّاً اِسمُها وَاِسمُ ذاتِها
لِيَ اِسمٌ وَلي تِلكَ النُعوتُ تَوابِعُ
فَشَمسِيَ في أُفُقِ الأُلوهَةِ مُشرِقٌ
وَبَدرِيَ في شَرقِ الرُبوبَةِ طالِعُ
وَنَفسِيَ بِالتَحقيقِ يا صاحِ نَفسُها
وَلَيسَ لِتَوحيدي مِنَ الشِركِ رادِعُ
فَمَن نَظَرَتها عَينُهُ فَهوَ ناظِري
وَتُبصِرُها عَينٌ إِلَيَّ تُطالِعُ
وَيَحمَدُها بِالشُكرِ مَن هُوَ حامِدي
وَيُثني بِحَمدي مَن لَهُ الحَمدُ رافِعُ
وَيَعبُدُني بِالذاتِ عابِدُها كَما
لَها خَضَعَت أَحشاءُ مَن لِيَ خاضِعُ
تُجيبُ إِذا نادَيتَ بِاِسمي وَإِنَّني
مُجيبٌ إِذا نادَيتَها لَكَ فازِعُ
وَقَد مُحِيَت أَوصافُنا في ذَواتِنا
كَما فَنِيَت مِنّي نُعوتٌ ضَرايِعُ
فَأَفنَيتُها حَتّى فَنيتُ وَلَم تَكُن
وَلَكِنَّني بِالوَهمِ كُنتُ أُطالِعُ
كَذا الخَلقُ فَاِفهَم إِنَّهُ مُتَوَهِّمٌ
وَهَذا كَقِشرٍ كَي يَضِلَّ مُخادِعُ
وَها هِيَ ما كانَت سِوى مَخزِنٍ وَلي
هُناكَ مِنَ الحُسنِ البَديعِ وَدائِعُ
فَلَمّا قَبَضتُ الإِرثَ مِن مَخزَنِ الهَوى
تَناقَضَ عَن جُدرانِهِ فهوَ واقِعُ
فَكانَت كَعَنقا مَغرِبٍ وَصفَةً وَما
حَوَت غَيرَ ذاكَ الوَصفِ مِنها البَقائِعُ
هِيَ الذاتُ طاحَت إِن فَهِمتَ إِشارَتي
نَجَوتَ وَإِلّا فَالجَهالَةُ خادِعُ
وَهاكَ حَديثَ المُنحَنا غَيرَ أَنَّهُ
عَلى الوَردِ مِن قِشرِ الكَمامِ قَمائِعُ
غَزالٌ لَهُ عَينانِ بِالسِحرِ كُحِّلا
فَواحِدَةٌ فَقعا وَأُخرى فَواقِعُ
كَثَوبٍ لَهُ طولٌ وَلَكِنَّ لَونَهُ
حَكى وَرَقَ الرَيحانِ أَخضَرُ يانِعُ
فَما الطولُ إِلّا الثَوبُ وَاللَونُ عَينُهُ
إِذِ الحُكمُ في المَحكومِ لِلأَمرِ تابِعُ
وَما الثَوبُ طولاً لا وَلا اللَونُ ذاتُهُ
وَما ثَمَّ إِلّا الثَوبُ تِلكَ المَجامِعُ
زَرَعتُ لَكَ المَعنى بِلَفظِيَ فَاجنِ ما
مَنَحتُكَ مِن أَثمارِ ما أَنا زارِعُ
فَإِنّي لَمّا أَن تَبَدَّت هوِيَّتي
خَفيتُ وَإِن تَغرُب فَإِنِّيَ طالِعُ
وَلَيسَت سِوايَ لا ولا كُنتُ غَيرَها
وَمِن بَينِنا تاءُ التَكَلُّمِ ضائِعُ
فَإِنّي إِيّاها بِغَيرِ تَساؤُلٍ
كَما أَنَّها إِيّايَ وَالحَقُّ واسِعُ
فَكُلُّ عَجيبٍ مِن جَمالِيَ شاهِدٌ
وَكُلُّ غَريبٍ مِن كَمالِيَ شائِعُ
وَكُلُّ الوَرى طُرّاً مَظاهِرُ طَلعَتي
مراءٍ بِها مِن حُسنِ وَجهِيَ لامِعُ
ظَهَرتُ بِأَوصافِ البَرِيَّةِ كُلَّها
أَجَل في ذَواتِ الكُلِّ نورِيَ ساطِعُ
تَخَلَّفتُ بِالتَحقيقِ في كُلِّ صورَةٍ
فَفي كُلِّ شَيءٍ مِن جَمالي لَوامِعُ
فَما الكَونُ في التِمثالِ إِلّا كَدِحيَةٍ
تَصَورُ روحي فيهِ شَكلٌ مُخادِعُ
فَصِفني بِأَوصافِ البَرِيَّةِ جَمعِها
فَإِنّي لِذَيّاكَ المَحاسِنِ جامِعُ
وَعَن كُلِّ تَشبيهٍ فَإِنّي مُنَزَّهٌ
وَفي كُلِّ تَنزيهٍ فَإِنّي مُضارِعُ
وَجِسمي لِلأَجسامِ روحٌ مُدَبِّرٌ
وَفي ذَرَّةٍ مِنهُ الأَنامُ جَوامِعُ
وَلَو لَم يَكُن في الحُسنِ مِنّي لَطيفَةٌ
لَما كانَتِ الأَجفانُ فِيَّ تُطالِعُ
وَلَولا لذاتي في الكَمالِ مَحاسِنُ
تَلوحُ لَما مالَت إِلَيها الطَبائِعُ
فَهَيكَلُ شَخصي كُلُّ فَرد بَسيطَةٍ
لِجَوهَرِ أَوصافِ المَحاسِنِ جامِعُ
وَإِنّي عَلى تَنزيهِ رَبّي لَقائِلٌ
بِأَوصافِهِ عَنّي فَحَقِّيَ صادِعُ
أَنا الحَقُّ وَالتَحقيقُ جامِعُ خَلقِهِ
أَنا الذاتُ وَالوَصفُ الَّذي هُوَ تابِعُ
فَأَحوي بِذاتي ما عَلِمتُ حَقيقَةً
وَنوري فيما قَد أَضاءَ فَلامِعُ
وَيَسمَعُ تَسبيحَ الصَوامِتِ مَسمَعي
وَإِنّي لِأَسرارِ الصُدورِ أُطالِعُ
وَأَعلَمُ ما قَد كانَ في زَمَنٍ مَضى
وَحالاً وَأَدري ما أَراهُ مُضارِعُ
وَلَو خَطَرَت في أَسوَدِ اللَيلِ نَملَةٌ
عَلى صَخرَةٍ صَمّا فَإِنّي مُطالِعُ
أُعِدُّ الثَرى رَملاً مَثاقيلَ ذَرَّةٍ
وَأُحصي غَزيرَ القَطرِ وَهيَ هَوامِعُ
وَأَحكُمُ مَوجَ البَحرِ وَسطَ خِضَمِّهِ
عِياراً وَمِقداراً كَما هُوَ واقِعُ
وَأَنظُرُ تَحقيقاً بِعَيني مُحَقِّقاً
قُصورَ جِنانِ الخُلدِ وَهيَ قَلائِعُ
وَأُتقِنُ عِلماً بِالإِحاطَةِ جُملَةً
لِأَوراقِ أَشجارٍ هُناكَ أَيانِعُ
وَكُلُّ طِباقٍ في الجَحيمِ عَرَفتُها
وَأَعرِفُ أَهليها وَمن ثَمَّ واضِعُ
وَأَنواعُ تَعذيبٍ هُناكَ عَلِمتُها
وَأَهوالَها طُرّاً وَهُنَّ فَظائِعُ
وَأَملاكها حَقّاً عَرَفتُ وَلَم يَكُن
عَلَيَّ بِخافٍ ما لَهُ أَنا صانِعُ
وَكُلُّ عَذابٍ ذُقتُ ثُمَّ وَلَم أُبَل
أَأَخشى وَإِنّي لِلمَقامَينِ جامِعُ
وَكُلُّ نَعيمٍ إِنَّني لَمُنَعّمٌ
بِهِ وَهوَ لي مِلكٌ وَما ثَمَّ رادِعُ
وَكُلُّ عَليمٍ في البَرِيَّةِ إِنَّهُ
لَقَطرَةُ ماءٍ مِن بِحارِيَ دافِعُ
وَكُلُّ حَكيمٍ كانَ أَو هُوَ كائِنٌ
فَمِن نورِيَ الوَضّاحِ في الخَلقِ لامِعُ
وَكُلُّ عَزيزٍ بِالتَجَبُّرِ قاهِرٌ
بِبَطشِ اِقتِداري لِلبَرِيَّةِ قامِعُ
وَكُلُّ هُدىً في العالَمينَ فَإِنَّهُ
هُدايَ وَما لي في الوُجودِ مُنازِعُ
أُصَوِّرُ مَهما شِئتُ مِن عَدَمٍ كَما
أُقَدِّرُ مَهما شِئتُ وَهوَ مُطاوِعُ
وَأُفني إِذا شِئتُ الأَنامَ بِلَمحَةٍ
وَأُحيي بِلَفظٍ ما حَوَتهُ البَلاقِعُ
وَأَجمَعُ ذَرّاتِ الجُسومِ مِنَ الثَرى
وَأُنشي كَما كانَت وَإِنِّيَ بادِعُ
وَفي البَحرِ لَو نادى بِاِسمِيَ حُوتُها
أَجَبتُ وَإِنّي لِلمُناجينَ سامِعُ
وَفي البَرِّ لَو هَبَّ الرِياحُ عَلى الثَرى
أُحيطُ وَأُحصي ما حَوَتهُ البَقائِعُ
وَخَلفَ مَعالي قافَ لَو يَستَغيثُ بي
مُغاثٌ فَإِنّي ثَمَّ لِلضُرِّ دافِعُ
وَأَقلِبُ أَعيانَ الجِبالِ فَلَو أَقُل
لَها ذَهَباً كوني فَهُنَّ فَواقِعُ
وَأُجرِيَ إِن شِئتُ السَفايِنَ في الثَرى
وَفي البَحرِ لَو أَبغي المَطِيُّ تُسارِعُ
وَإِنَّ الطِباقَ السَبعَ تَحتَ قَوائِمي
وَرِجلي عَلى الكُرسِيِّ ثَمَّةَ رافِعُ
وَبَيتي سَقفُ العَرشِ حاشايَ لَيسَ لي
مَكانٌ وَمِن فَيضي خُلِقنَ المَواضِعُ
وَأُجري عَلى لَوحِ المَقاديرِ ما أَشا
وَبِالقَلَمِ الأَعلى فَكَفِّيَ بارِعُ
فَسِدرَةُ أَوجِ المُنتَهى لِيَ مَوطِن
وَغايَةُ غاياتِ الكَمالِ مَشارِعُ
وَكُلُّ مَعاشِ الخَلقِ تُجريهِ راحَتي
لِراحَتِهِم جُوداً وَلَستُ أُصانِعُ
وَفي كُلِّ جُزءٍ مِن تَراكيبِ هَيكَلي
لِوُسعِيَ فَالكُرسِيُّ وَالعَرشُ ضائِعُ
وَلا فَلَكٌ إِلّا وَتُجريهِ قُدرَتي
وَلا مَلِكٌ إِلّا لِحُكمِيَ طائِعُ
وَأَمحو لِما قَد كانَ في اللَوحِ مُثبَتاً
وَتَثبُت إِذا وَقَّعتُ ثَمَّ وَقائِعُ
وَإِنّي عَلى هَذا عَنِ الكُلِّ فارِغٌ
وَلَيسَ بِهِ لي هِمَّةٌ وَتَنازعُ
وَوَصفِيَ حَقّاً فَوقَ ما قَد وَصَفتُهُ
وَحَشايَ مِن حَصرٍ وَما لي قاطِعُ
وَإِنّي عَلى مِقدارِ فَهمِكَ واصِفٌ
وَإِلّا فَلي مِن بَعدِ ذاكَ بَدائِعُ
وَثَمَّ أُمورٌ لَيسَ يُمكِنُ كَشفُها
لَها قَلَّدَتني عقدهنَّ شَرائِعُ
قَفَوتُ بِها آثارَ أَحمَدَ تابِعاً
فَأَعجب لِمَتبوعٍ وَما هُوَ تابِعُ
نَبِيٌّ لَهُ فَوقَ المَكانَةِ رُتبَةٌ
وَمِن عَينِهِ لِلناهِلينَ مَنابِعُ
عَلَيهِ سَلامُ اللَهِ مِنّي وَإِنَّما
سَلامي عَلى نَفسي النَفيسَةِ واقِعُ
كَذا الآلِ وَالأَصحابِ ما ذَرَّ شارِقٌ
وَما ناحَ قُمرِيٌّ عَلى البابِ ساجِعُ
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
القطب الجيليغير مصنف☆ شعراء العصر المملوكي3156