تاريخ الاضافة
الثلاثاء، 9 أبريل 2013 09:41:19 م بواسطة حمد الحجري
0 385
هَوِّن عليك فكلُّ حَيٍّ فان
هَوِّن عليك فكلُّ حَيٍّ فان
واذكر بقاءَ مُدَبِّرَ الأكوانِ
واصبر على ما قد أصابك واحتَمِل
مُرَّ الأَذى ومظالِمَ الإنسانِ
واجعل لنفسك من ثباتِكَ قُوَّةً
تكفيك شَرَّ وساوِسِ الشيطانِ
وانظُر لمرآةِ الزمان بِنَاظِرٍ
رُسِمَت عليه عجائبُ الحدثانِ
صَوِّر على إنسان عَينِكَ مسرحاً
لَعِبَت بساحَتِهِ ذَوُو التِّيجانِ
من كل عاتٍ كم تَخَيَّلَ أنه
بلغ السماءَ بِقُوَّةِ السلطانِ
فَطَغى وَتَاهَ بملكه مُتَأَلِّهاً
ودَعَتهُ عِزَّتُهُ إلى العِصيانِ
كم من قصورٍ بالمظالمِ شادَهَا
باتَت لِسُكنَى البُومِ والغِربانِ
سَفَكَ الدماءَ وَجارَ جَبَّاراً وقد
نسي الحسابَ وَهَيبَةَ الرحمنِ
ومشى وَمَقتُ الكِبرياءِ يَقُودُهُ
والعُجبُ يملأُ ساحةَ الإيوَانِ
يروى لك الماضي عجائبَ ما رأى
ويمرُّ بالذِّكرى على الأذهانِ
فإذا وَهَبتَ له التَّأَمُّلَ لحظةً
تبدو إليك شَرَاسَةُ الحيوانِ
طوراً تُبَاغِتُكَ العِظَات وتارَةً
تُدمى فُؤادَكَ قَسوَةُ الإنسانِ
كم في العصورِ السالِفاتِ تمثَّلَت
عِبَرٌ جَرَت بالمَدمضعِ الهَتَّانِ
نُقِشَت على صُحُفِ الزمانِ فَسَجَّلَت
غَضَبَ السماءِ على الأثيمِ الهَتَّاني
بينا الجرائمُ يستفزُّكَ بطشُهَا
والظلمُ يَفتِكُ بالبرئ العاني
يَنجَابُ دَيجُورُ المظالمِ مُسرِعاً
ويلوح فجرُ العدلِ والإحسانِ
ويروقُ للعينِ التَّمَتُّعُ حينما
تبدو الفضيلةُ في أجَلِّ معاني
يَصِفُ الكِرامَ العاملين ومالهم
في المجدِ من عِزٍّ ومن سُلطَان
ويُعيدُ ذَكرَ مآثرٍ قد سَطَّرَت
لذوي الإنابةِ آيةَ الشُّكران
هِمَمٌ تجاوزت السِّماكَ مكانةً
وعلَت على الجوزاءِ والميزانِ
لم يُبلِها مرُّ العصورِ ولم تَزَل
ما عَمَّرَت مرصوصةَ البُنيانِ
تبقى بقاءَ العالمين مَصُونَةً
تزهو بِثَوبِ نَضارَةِ الرَّيعانِ
تلك الكنوزُ الخالداتث براءةٌ
للعاملين مَرَاحِمُ الغُفرانِ
والعاكِفينَ على الفضيلةِ والتُّقى
والذاكرين اللَه كلَّ أَوَانِ
بِيضُ الصنائع خيرُ من قد أنجبَت
حَوَّاء من أسمَى بني الإنسانِ
نورٌ تلألأ من سناءِ مواهبٍ
سَطَعت بجوهرِ أطهَرِ الأبدانِ
شَهِدَت بما للمحسنين أولى النُّهى
في البِرِّ من سِرٍّ ومن إعلانِ
وبما اقام المُصلِحونَ من الهُدى
في عالمِ الذِّكرى بكلِّ مكانِ
وبِصِدقِ عَزمِ المُتّقينَ وما لهم
بالزُّهدِ من قَدرٍ عظيمِ الشَّانِ
تتمَثَّلُ الحُسنى وما قد خَلَّدَت
بصحائفِ التاريخِ من رضوانِ
تبدو وآياتُ الرِّضاءِ تَضُمُّها
لِلخُلدِ ضَمَّ الروحِ للأبدانِ
سِيَرٌ تمرُّ على البصائرِ والنُّهى
مرَّ الكريمِ المُزنِ بالوِديانِ
فَيَفيضُ ماءُ الغَيثِ بين سهولها
ويسوقُ سَيلَ الخِصبِ للعيدانِ
حتى إذا ازدَهَت المُرُوجُ وأَينَعَت
لَعِبَ النسيمُ بِمُورِقِ الأغصانِ
وَجَرَت يَنَابيعُ الحياةِ وَنَوَّرَت
شَتَّى الزُّهُورِ بأبدعِ الألوانِ
هَذي قلوبُ المهتدين وما حَوَت
بالهَدى من صدقٍ ومن إيمانِ
فَدَع التَّمَرُّدَ يا ابنَ آدم واتَّعِظ
واعلم بأنك في نعيمٍ فانِ
مهما بَلَغتَ من المكانةِ وَالغِنَى
والحظِّ والإقبالِ والسُّلطانِ
وَتَقَرَّبَت منك المحاسِنُ كلُّها
وَسَعَت إليك مواهبُ العِرفانِ
وَمَشَت تُحَيِّيكَ الجنودُ وَفَوقَها
رَفَعَ اللِّوَاءَ بَوَاسِلُ الفُرسانِ
وَالمُلكُ أقبَلَ نحو بابِكَ حامِلاً
بِيَدِ المَهابَةِ أنفَسَ التِّيجانِ
وانقادَتِ الآمالُ حتى أصبحت
كلُّ المطالبِ منك طَوعَ الأزمانِ
وَنَعيمُكَ الزَّاهي خيالٌ زائلٌ
كالوَهمِ حول فَطانَةِ الأذهانِ
بَسَمَت لك الدنيا وَغَرَّكَ حسنُها
فَغَدوتَ عبدَ جمالها الفَتَّانِ
وانقَدتَ مدفوعاً بطَيشكَ للهوى
وسَباكَ منها ساحرُ الأجفانِ
سَلَبت نُهَاكَ بِغَيِّها ودهائها
ورَماكَ سَهمُ خِداعِها الخوانِ
مرَّ الشبابُ وأنت مسلوبُ النُّهى
تلهو وتلعبُ في صفا وأمانِ
ودَنا المشيبُ مُباغتاً لكَ ناعياً
عهدَ الشبابِ لسالفِ الأزمانِ
فصَحوتَ مرتجفَ الفؤاد مُقَلّباً
كَفَّيكَ تصلى زفرةَ النَّدمانِ
تبكي صِبَاكَ وكيف ضاع بَهَاؤُهُ
والنفسُ طامِحَةٌ إلى العصيانِ
فُيُريقُ دَمعَك ذِكرُ أيَّامِ الصِّبا
والذكرياتُ مُثيرَةُ الأشجانِ
تُمسي وتُصبحُ نادِماً مُتَحَيِّراً
وتَبيتُ فوقَ مَراجِلِ النِّيرانِ
يا لَيتَ عُمرَكَ ما تَقَضَّى غَضَّهُ
في اللَّهوِ بينَ الكأسِ والنُّدمانِ
والكاعباتِ الساحراتِ رَشاقَةً
واللاعباتِ فواتِنِ الغُزلانِ
والشاردات الغيدِ رَبَّاتِ البَهَا
الناعِساتِ مريضةِ الأجفانِ
وبواعثِ الأُنسِ القَصِيرِ زَمَانُهُ
مهما طَرِبتَ لِرِقةِ الألحانِ
والمُغرياتِ الصَّافياتِ وما لها
في النَّفسِ من شوقٍ ومن تحنانِ
إنَّ الحياةَ سُرورَها وبُكاءَها
ونعيمَها وشقاءَها سِيَّانِ
وصفاءُ عَيشِكَ يستحيلُ دَوَامهُ
والنَّفسُ لا تخلو من الأحزانِ
والدهرُ لا يبقى على صَفوِ المُنى
يلقاكَ بين مخاوفٍ وأمانِ
بينا يسوقُ لك السَّعادَةَ باسِماص
ويزيدُ فيكَ مهابةَ السلطانِ
ينسابُ كالأَفعى فينشِبُ نابَهُ
في أمنِكَ المُتَغَافِلِ الوَسنَانِ
فتهبُّ مُلتاعَ الفؤادِ معذباً
وتذوقُ سوءَ عواقبِ الخُسرانِ
تبكي على ما فات من زمن الهنا
وتَنوحُ نوحَ الحائرِ الولهانِ
إذ ذاك ينقشِعُ الظلامُ وينجلي
نورُ اليقين بيقظةِ الوُجدانِ
فتذيقكَ الأيَّامُ مُرَّ كُؤُوسها
لتعيشَ بين مذلةٍ وهوانِ
عدلاً يبكيكَ القضاءُ جزاءَ ما
أَسرَفتَ في حُبِّ المتاعِ الفاني
فاقنَع من الدُّنيا بزادِكَ راضياً
واهجُر نعيماً عاد بالخسراتِ
واترُك هداكَ اللَه غيَّكَ واستقم
واختر لنفسكَ خالدَ البُنيانِ
واذكر هَوانَكَ تحت أطباقِ الثّرى
في المُفزعينِ الرمسِ والأَكفانِ
أينَ الذينَ عنا لسطوةِ ملكهم
قاصى المدائن رهبةً والداني
ومشت ملةوك الأرض تحت لوائهم
طوعاً تحيطُ بهم عُتاةُ الجانِ
وبأمرِهِم جرَتِ الرياحُ وسيرَت
لهم الجبالُ وسُخِّرَ الثَّقَلان
أينَ الأكاسرةُ الذين تفاخَرُوا
بعروشهم وجلالةِ الإيوانِ
وفخامةِ المُلكِ الرفيع عمادُهُ
في عهد أعدلهم أنو شِروانِ
أين الغُزاةُ الفاتحونَ وبأسُهُم
أين الأُسُودُ قياصِرُ الرُّومانِ
اين الرؤوسُ العبقريات التي
نزَلَت عليها حكمةُ اليُونانِ
تلك الكنوزُ الغالياتُ شهادةٌ
لبلوغهم أقصى مدى العِرفانِ
أينَ العمالقَةُ العُتاةُ وأين ما
تركوه من تَرَفٍ ومن عُمرَانِ
من قومِ عادٍ والعراقِ وتُبَّعٍ
وثمودَ من شَقُّوا عصا العصيانِ
أين العصورُ المُدهِشاتُ وما حَوَت
من فطِنةٍ أعيت قُوى الإنسانِ
عهدٌ له شهدَ الزمانُ عجائباً
ضَنَّ الوُجودُ بها لعهدٍ ثانِ
نالَت به مصرُ الفريدةُ هَيبَةً
لجلالها قد كبَّرَ القمرانِ
عِلمٌ يُحارُ الفكر في تكييفه
بَعُدَت مدارِكُهُ عن الأذهانِ
سِرٌّ أصولُ العلم فيه طلاسِمٌ
أوحَى بها الكَهَنُوتُ للكُهَّانِ
دَرَستهُ بين هياكلٍ ومعابدٍ
متعاقدين بأغلظِ الأيمانِ
حفظاً لأسرارِ الحياةِ وما لهم
في الأرض من حُكمٍ ومن سُلطانِ
فأطاعهم شُمُّ الجبالِ وَصَلدُها
والماءُ لبَّاهُم بكلِّ لِسانِ
وانصاعَ مختلفُ الرياح لأمرهم
ومَشَت سِبَاعُ الطَّيرِ والحيوانِ
رَصَدُوا الكواكبَ وهي بين بروجها
تجري بِقُدرَةِ مُبدعِ الأكوانِ
ومواقعَ النجم البعيدِ مَدَارُهُ
في الشاسِعَينِالحوتِ والميزانِ
والثاقباتِ الشُّهبِ سابحةَ الفَضا
كالبَرقِ بين الجَدى والسرطانِ
حَسبُوا طوالِعَكل نجمٍ واهتدوا
لعجائبِ الأفلاكِ في الدورَانِ
وتبيَّنُوا تلك البروجَ وفعلها
في مصر أمِّ المجد والعمرانِ
فبنوا هياكلهم على أسرارها
لتدومَ رغم طوارئ الحدثانِ
علموا بأن الشمَ سيدةُ القوى
رمزُ الحياةِ لهيكلِ الإنسانِ
ولكلِّ حسٍّ حلَّ تحت شعاعها
وهي النموُّ لسائر الأبدانِ
فالنبتُ والحيوانُ مفتقرٌ لها
والطيرُ بين خمائلِ الاغصانِ
والماءُ لولاها لأصبح راكِداً
عفناً من الأقذارِ والدِّيدانِ
فهي التي جعلتهُ عذباً جارياً
فوق السهولِ وفي ربا الوديانِ
بعثت لسطحِ الأرضِ أعجبَ آيةٍ
حفظت نظامَ العالمِ الحيواني
نوراً وناراً من وهيجِ سائها
ملأ الفضاءَ وعَمَّ كل مكانِ
حملت بخارَ الماءِ عذباً طاهراً
خِلواً من الأملاحِ والأدرانِ
صَعَدت به متنَ الهواءِ كأنه
أطوادُ ماسٍ في سهولِ جُمَانِ
حتى إذا اصطدمت لِسُرعَةِ سيرِها
تلك الجبالُ هَوَت من الذَّوَبانِ
طَوراص تُمَزِّقها الرياحُ وتارَةً
تجتاحُها قِمَمٌ من الصَّوانِ
فالغيثُ يكسو الأرضَ ثوباً يانِعاً
والسَّيلُ يُهدى الخِصبَ للقيعانِ
ولها على سيرِ الرِّياحِ قيادةٌ
وعلى العناصرِ إمرةُ السلطانِ
والأرضُ لولاها لكانت بلقعاً
جَرداءَ خاليةً من السُّكَّانِ
شادوا لهيكلها العظيمِ معابداً
مُزدانةً بنفائسِ القُربانِ
نَسَبُوا لها مجدَ الأُلوهةِ رهبةً
فاندَكَّ صَرحُ عبادة الأوثانِ
عكفوا عليها عابِدينَ وهَدَّموا
ما شَيَّدوا للعجلِ والجُعرانِ
واستخدموا تلك القوى لبلوغهم
ما لم يكن من قبلُ في الحُسبَانِ
نَحَتوا بباطنِ مَنفَ أقدسَ مَعبدٍ
جعلوه بَيتَ سرائرِ الأكوانِ
صنعوا له مِفتاحَ سِرٍّ غامِضٍ
نُقِشَت عليه طَلاسِمُ الكِتمانِ
صانُوهُ في أعماقِ قلبٍ ساهرٍ
للرَّابِضِ المُتَحَفِّزِ اليقظانِ
رمزَ المَهابَةِ والرزانة والحِمَى
للصَّمتِ فيه وللسكونِ مَعانِ
يرمي الفضاءَ بنظرَةٍ قد أوقفت
كَيدَ العَوادي وقفةَ الحيرانِ
جَسدٌ حَوى أسمى القوى رمزاً له
جِسمَ الهِزَبرِ وهامةَ الإنسانِ
هذا أبو الهَولِ الرهيبُ ثَبَاتُهُ
مُفنى العصورِ وقاهرُ الأزمانِ
عَهِدُوا إليه حِراسةَ الوادي الذي
ضَمَّ الكنوزَ غَوالي الأثمانِ
واستخدموا أرصاده لبلوغهم
مجداً تَعَذَّرَ عن ذوي التِّيجانِ
حتى أتى مينا وأسَّسَ مُلكَهُ
وطَوَى الزمانُ صحيفةَ الكُهَّانِ
أينَ الفراعنةُ الملوكُ واين من
ربطوا السَّفينَ بِمُقلَةِ الرُّبَّانِ
أينَ الأُسُودُ الفاتِحُونَ وأين ما
بلغته مصرُ بهم من العُمرانِ
آثارُهُم في مصرَ تشهد أنهم
كانوا الائمَّةَ في قوى الإمكانِ
عهدُ العجائبِ عصرُ منفيس الذي
قامت لذِكرى مجده الهَرَمَانِ
وطلاسمُ السِّرِّ الذي أهدى إلى
وادي الملوكِ سِيادَةَ الوديانِ
وادٍ كنوزُ الأرضِ تحت أديمِهِ
مخبوءةٌ عن أعيُنِ الحَدَثَانِ
لوأن قيمتها وما فوق الثَّرى
في الوَزنِ نالَت رجحةَ الميزانِ
أخفى مخابئها العديدةَ طَلسَمٌ
أسرارُهُ غابت عن الأذهان
حُرَّاسُهُ ترمي الفضاءَ بناظرٍ
يَقِظٍ تتبَّعَ خُطوَةَ العُدوَانِ
سَهِرَت على تُحَفِ الملوكِ أمينةً
من بطن مَنفَ إلى رُبا أسوانِ
وعلى القِبابِ البِيضِ قام أَشَدُّها
عَزماً يُؤَدِّي واجبَ التيجانِ
كَهفٌ حَوَى كَنز الكنوزِ ولم يكن
أبداً لِتُدرِكَهُ يَدُ الإنسانِ
قد هَيَّأَ الكَهَنُوتُ أرصاداً له
أَلقَت عليه طَلاسِمَ النِّسيَانِ
تِيجانُ بَيتِ المُلكِ من مينا إلى
مَلِكِ الوَغى سيزوستريس الثاني
وصوالجُ الأُسدِ الفراعنة التي
سحرت عيونَ قياصرِ الرُّومانِ
وحُلِيُّ رَبَّاتِ الخُدُورِ قلائدٌ
منضودةٌ من جَوهَرٍ فَتَّانِ
أينَ الجبابرةُ الملوكُ وَبَأسُهُم
يوم اشتدادِ الكَربِ في الميدانِ
وجماجمُ الأعداءِ جَنى سُيُوفِهِم
تهالُ تحت سَنابِكِ الفُرسَانِ
والجو أقتَمُ والدُّرُوعُ تطايرت
من هَولِ ما قد حلَّ بالأبدانِ
وَجِيادُهُم تنسابُ تحت عجاجةٍ
ظَلماءَ بين أَسِنَّةٍ ودُخانِ
كالأُسدِ تَنقَضُّ انقضاضَ صواعقٍ
تجتاحُ ما تَلقاهُ من بُنيَانِ
تتكدسُ الأشلاءُ تحت رِكابِها
في مَوجِ بحرٍ من نجيعٍ قانِ
لم يَثنيها حَشدُ الجموع عن المنى
كلا ولم تَحفِل بهولِ طِعَانِ
مهما تلاحَمَت الصفوفُ لِرَدَّها
فشَلَ العدوُّ وباءَ بالخسرانِ
واندَكَّ صرحُ حصونِهِ وتَشَتَّتَت
أبطالُهُ في ظُلمَةِ الوِديانِ
ومشى القضاء إلى العدوِّ ومزَّقَت
يُمناهُ قهراً رايةَ العِصيانِ
وتقَدَّمَ النصرُ المبينُ مُصافحاً
أبطالَ مصرَ ضياغِمَ الميدانِ
فيك لِّ وادٍ كان ميداناً لهم
نقشوا مواقعهم على الصَّوَّانِ
أثراً يُمثِّلُ بطشهم بعدُوِّهم
فتكَ الجياعِ الأُسدِ بالغُزلانِ
صُوَراً تدلُّ لى سلامةِ ذَوقِهِم
وهُيامِهِم بالغَزوِ والعُمرانِ
دخلوا المدائنَ فاتحينَ وعَمَّرُوا
ما هَدَّمَ الجبرُوتُ من بُنيانِ
وبَنَوا لمصرَ المجدَ رغم مطامعٍ
للفُرسِ والآشُورِ والرُّومانِ
دُوَلٌ تمَنَّت ما لِمصرَ من العُلا
ولكم تضيعُ مع الغرورِ أماني
قامت لتبني المجد لكن خانَهَا
بَطشَ الأُسُودِ بها وجَهلُ الباني
أينَ الفَراعِنَةُ الذين تألَّهُوا
في مِصرَ من خُوفلإو إلى الرَّيَّانِ
رَعَمُوا بأنَّ اللَهَ حلَّ بروحِهِم
نوراًوهيمنهُم على الإِنسانِ
فَطَغَوا وعاثُوا مُفسدين وأَسرَفوا
في الظُّلمِ والجبرُوتِ والطَّغيانِ
كَفَرُوا فما الإِنسانُ إلا هيكلٌ
جَسدٌ سيُصبحُ طعمَةَ الدِّيدانِ
والكبرياءُ إذا تمكَّنَ غيُّها
من نفسه دَفَعَتهُ للعصيانِ
فهي الجُنونُ لكلِّ غرٍّ جاهلٍ
قد هاجَهُ مَسٌّ من الشَّيطان
أو فهي مقتُ اللَهِ صُبَّ على الذي
نسيَ الإله وباءَ بالخُسرانِ
ظلموا وجاروا واستبدُّوا قسوةً
واستسلموا لأَوامرِ الكُهَّانِ
ظَنُّوا بأَن نعيمهم وهناءَهم
في مُلكِ وادي النيلِ ليس بِفَانِ
واستخدموا الإنسان في أهوائِهِم
واستعبَدُوه برهبةٍ وهَوَانِ
نحَتُوا الجبالَ وشيَّدُوا من صَلدِها
فوق الهِضَابِ غرائبَ الأَوثانِ
رمزاً لآمون الذي عكفُوا على
تقديسهِ رَدحاً من الأَزمانِ
ولمجدِ إيريس التي ظَنُّوا بها
سرَّ الحياةِ وصحةَ الأبدانِ
ولعجل منف وماله قد هيكلوا
جسداً يمثلُهُ بكلِّ مكانِ
آبيسُ حياً أكرموه وميتا
قد جَهزُوه بأنفَسِ الأَكفانِ
ومشت تُشيِّعُهُ الملوكُ يحفُّهُم
كهنوتُ منفَ لمدفن الثِّيرانِ
عَبدُوه في ظلِّ الحياةِ وبعدَها
سجدوا لهيكله الرَّميمِ الفاني
كفروا بمن خلقَ الوجودَ وأَشرَكوا
بالواحدِ المتكبرِ الدِّيانِ
وبنوا من الصخر الأَصم معابداً
تحت الرُّبَا وبباطنِ الوِديانِ
دُوراً ببطن الأرضِ لم تَجسُر على
تدميرها يوماً يَدُ الحدَثَانِ
قد أودعوها ما استحالَ وجُودُهُ
مهما تولى الأرضَ من عُمرانِ
صوراص من الذَّهبش المُصَفَّى مَثَّلَت
أشباحَ ما عَبدُوا من الهَذَيانِ
وعلى الهياكلِ حولها تُحَفٌ لها
قد رُصِّعَت بالدُّرِّ والمَرجانِ
وبابدع الصُّوَرِ الجميلةِ سَجَّلُوا
أسرارَ ما اعتَقَدُوا على الجُدرانِ
نقشاً على الصخر الذي عجزَ البِلَى
عن مَسِّهِ لدقيق صُنعِ الباني
مَرَّت به الأجيالُ وهو كأنه
لم يَمضِ بعدُ لِصُنعِهِ يَومَانِ
ترمى معانيه العجيبةُ عن مدى
بُعدِ المُفكِّر في المصير الجُسماني
والجسمُ يقضى في الحياةِ نصيبَهُ
حتى يحينَ من الحِمامِ تداني
فيفارقُ الدنيا إلى الدار التي
بسعادةٍ تلقاهُ أوبهوَانِ
كلُّ النفوسِ إلى الخلود مصيرُها
والحظُّ مَوكُولٌ إلى الغُفرانِ
قد بَرهَنَ الإيضاحُ في تصويرهم
بأدقِّ فهمٍ في أتمِّ بيانِ
عن صحوة الأجسادِ بعد رقودها
وقيامِها للحشر والميزانِ
حَيرَى تُبعثِرَها القبورُ كأنها
سَيلُ الجَرادِ يهيمُ في الوِديانِ
هذا هو البعثُ الذي جحدَت بهِ
أُمَمٌ غَوتها فِتنةُ الشيطانِ
حقّاً له فطنُوا ولما تأتِهِم
رُسُلٌ لتهديهُم إلى الإيمانِ
ولقد رأى الحكماءُ أنيَدَ البِلَى
لا بُدَّ أن تَسطُو على الأبدانِ
فتظلُّ تُنشِزُ في عظامٍ رَطبَةٍ
حتى تُجَرِّدَها من الديدانِ
فإذا تجَرَّدَ أصلُها وتطهَّرَت
من كلِّ ما حَمَلَت من الأدرانِ
أخذ البلى أصلها وتطهَّرَت
من كلِّ ما حَمَلت من الأدرانِ
اخذ البِلَى يَسرى فينخَرُ هيكلاً
ينهارُ تحتَ عوامِلِ الذَّوَبانِ
عِهناً فَتُربا كي يُرَدَّ لأصله
والتربُ أصلُ سُلالَةِ الإنسانِ
لا بدَّ يوماً كلُّ من فوق الثرى
ذرّاً يكون على مَدَى الأَزمانِ
لما بدا ليقينهم ما راعَهُم
وتبيَّنوا أن كلُّ شيءٍ فانِ
خافُوا على أجسادهم من هَولِ ما
يَنتابُها في وَحشةِ الأكفانِ
فتمكَّنوا بالعلم من تَحليلَها
ودَمُ الحياةِ يَدِبُّ في الأبدانِ
فحصُوا كُرَاتِ دَمِ الوريدِ وكيف قد
ردَّ الحياةَ لها دَمُ الشُّريَانِ
وتبيَّنوا القلبَ العجيبَ بُطَينُهُ
وأذَينه في الصدر يَنقبِضَانِ
ليحوِّلا مَصلَ الوريدِ إلى دَمٍ
حيٍّ إذا ما دار يَنبَسِطانِ
بحثُوا العِظامَ وما حَوَت أدوارُها
في الشِّيبِ والإطفالِ والشُّبَّانِ
بحثاً يحارُ الطبُّ في تلعيلهِ
عَرَفُوا به ما هيَّةَ الحيوانِ
وبقاءها عمراً طويلاً غضَّةً
في قوةٍ وسلامةٍ ومِرانِ
فنخاعُها واللحم سرُّ حياتِها
وهما لحفظ كيانِها حِصنانِ
ما غابَ عنهم عنصرٌ لم يفقهوا
تأثيرَهُ في الهَيكلِ الجثماني
لهم انطوى العلمُ العجيبُ وصرَّحَت
بالرغم منه غوامضُ الكِتمانِ
فتوصَّلُوا لنوالِ ما قد أَمَّلُوا
ومع الهزيمةِ لا تَضِيعُ أماني
كانت نتيجةُ بحثهم أن وُفِّقُوا
عِلماً بسرِّ صيانةِ الابدان
بعدَ المماتِ من اتِّصَال يد البِلى
يوماً لتبقى آيةَ الأزمَانِ
أَمناً تمرُّ بها القُرُونُ وبعدَها
تتعاقبُ الأحقابُ في اطمئنانِ
وقوامُها صلبٌ فَتِيٌّ ذاَبلٌ
قد غادرتهُ نضارةُ الرَّيعانِ
ألقى السُّباتَ عليه سلطانُ الكرى
وقد اختفى عن أعين الحدثضانِ
لم تنتقِصه سوى الحياةِ ولم يكُن
بالميت أحرى منهُ بالوَسنانِ
ترمي مناعتهُ الزمانَ بنظرةٍ
سَخِرَت بفتك كوارث العدوانِ
والدهرُ يعجَبُ أن سلطان البلى
مكتوفةٌ بالرغم منهُ يَدانِ
مَرَّت به تلك العصورُ وتنقضى
أمثالُها وقُوَاهُ في نُقصَانِ
سدٌّ رهيبٌ كُلَّما قَد هَمَّ أن
يجتازَهُ لا يستطيعُ تَداني
هذا هو السرُّ الذي هَزَمَت به
حكماءُ مصرَ عَوادِي الملوانِ
أقصى عن الإغريق كلَّ حضارةٍ
وقضى على مدنية الرومانِ
ما أبعد الإنسان في تفكيره
لو كان منصرِفاً إلى العرفانِ
تأتي المواهبُ لو تكامل نورُها
بالمُعجِزاتِ بعيدةِ الإمكانِ
هل بعدَ تلك الخارقات فطانَةٌ
أو بعد ذيَّاك النجاحِ أماني
أجسادُهم شهدَت بقوَّةِ عزمهم
وثباتهم وبحدَّةِ الأذهَانِ
ظهرت لنُورِ الشمسِ وهي كأنَّها
لم تقض بعد المَوتِ غيرَ ثَوانِ
وكأنَّ آلافَ السنى تبدلت
يوماً مضى في راحةٍ وأمانِ
هي بيننا وتظل دهراً بعدنا
وهي التي شهدت ضحى الطوفانِ
قد أظهر التحنيط أعجبَ آيةٍ
وصلت إليها حكمةُ الإنسانِ
عجزَت شعوبُ الأرضِ عن إدراكه
وخبا سراجُ الطبِّ في اليونانِ
وَخَلَت بحارُ العلمش من أصدافِهِ
مُذ كفَّ كوكبُهُ عن الدَّوَرَانِ
عِلمٌ مواهِبُه السماءَ فأصبحَت
ممزوجةً بالعالمِ الرُّوحاني
قد كان إحدى المعجزات ولم يَزَل
أعجوبةَ الدنيا مدى الأَزمانِ
وكفى به فخراً لمصر وأهلها
أمِّ القرى سُلطانةِ الوديانِ
هي جنةُ الدُّنيا التي قد أحرَزَت
ما عز من مُلكٍ ومن عُمرانِ
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
إسماعيل صبري المصريمصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث385