عناوين ونصوص القصائد   أسماء الشعراء 
شعراء الفصحى في العصر الحديث > البحرين > قاسم حداد > النص الشعري

البحرين

مشاهدة
1505

إعجاب
0

تعليق
0

مفضل
0

الأبيات
0
إغلاق

ملحوظات عن القصيدة:

إرسال
انتظر إرسال البلاغ...

النص الشعري

نصوص قاسم حداد
غابة أم بشر
هذي الوجوه التي تأرجح أحداقها في زجاج الفضاء
بهجة أم كدر.
ليست نزهة،
من يعرف،
لكأن ما أراه من بياض هو الكفن المنتخب،
من يعرف،
هل أنا في الحرف الأول،
في الكلمة الأخيرة.
أرشح أكثر الأعضاء خفاء لكنيسة الجسد.
كيف أقول..
عن ارتعاشة جسد في التجربة
يضطرب مثل طفل خالجته الصاعقة.
تقدم
نعد لك الأعراس و المراثي،
نشد أزرك و نسند خاصرتك بالسكاكين،
تقدم
ما أبهاك
وأنت إلى الكتابة كأنك إلى الموت.
المخفي.. يخيف.
كلما وضعت عليك عضوا لئلا تصيبك الوحشة،
انتابتني النصال،
النصال كلها.
ها جسدي يكاد أن يذهب
مشغوفا بك، و أنت في الفقد.
الوجوه، الوجوه
استعارت حيادا من الماء
استدارت لتخلع أقنعتة من هواء.
جوع كاسر يتفصد في صلصال الهيكل
لكأنك تلمح فضتك الذهبية تنتقل، كمشكاة،
من جسد النار إلى آنية اللهب.
جوع كافر
مثل زئبق يمنح الصدر شهوة الأوسمة.
جوخ تهرأ لفرط المديح،
مشدوخ بشهوة الأسئلة وهي تنهض من المذلة
فيصاب بهيبة التهدج.
سناجبه تكنس القطيفة بفروها الأليف.
مضى عليه وقت في نعمة الوعد
ولم يرخ حواسه لسماع الكلام،
ما إن تقال له الكلمة حتى يتفصد النحل من كتفيه
مثل بوصلة تسأم مجد التيه.
جثة تمرح في ذاكرة الناس
مشمولة بغنج المؤآمرات،
موصولة بجسد يتفلت من تاريخ له موهبة الميزان
وغيبوبة الطريق.
جسد لا يخلع درعه الأخير،
مثل حصن ساهر
يتبادل أنخاب الجليد في هدأة الوحشة.
وما إن تدير الجثة رأسها ناحية المشهد،
حتى يختلج الكلام في الصدور .
جحيم يسمونه بلادا،
حينا يقال له الوطن،
وغالبا يحمله الشخص مثل خيط من الأوسمة:
زينة الضريح جنازة الأمل.
قيل إنه الوقت والمكان،
يتراءى مثل الحلم فيما يكون وهما
يتمارى فلا تدركه البصيرة ولا يطاله الكلام
لن تعرف ما إذا كنت سيدا في هذا الجحيم أم عبدا.
ليس لك أن تقول باللغة
وما إن تقول بيدك حتى ينالك القصل
ففي الجحيم الذي لا تسبقه جنة و لا تليه أنت في المهب:
مزاج الريح يعصف بك
ومزيج الحرية يدفعك إلى التهلكة.
ناس الغابات
يعيثون فسادا في البيت.
سيد من سقط القبائل و يحسن الفر،
ينداح.. ينداح و لا يخطئ الهزائم.
مرة هاجت يداه في غفلة و سأل الذبيحة عن وليمتها،
مرة هاجت عيناه، ولم يزل.
كلما أوشك على الكر،
إنداح مثل قذيفة تسبق أهدافها
تفر إليها.. تفر و لا تصل.
يحلم
مثل طفل يكاد أن يهرم.
أنظر إلى الناس
مكتظين ببداهة لا يقدرون على إعلانها.
أشباح تتكئ على رماد بارد.
لا يحيا و لم يقدر عليه موت،
ولم يكن حكيما.
أفعى،
وأينما أدرت وجهك رأيت أفعى .
نحيل،
ينام تحت جلده مثل ملاءة،
ويفسح حيزا لأحلامه.
تظاهري بالغفلة،
لكن لا تغفلي عن كنزك، يمرح في مخيلة الناس.
هيئي الكنز
وتظاهري بالنوم..
ونامي.
أدخل في الخدر أيها الفارس الوحيد،
أدخل،
بين وركيك مدينة و مهاميز و قتل كثير.
ساحاتك يهندسها روم كثيرون
لأجل القتال،
تجرجر جثتك المكابرة
لأجل القتال،
بين كتفيك بيت تلعب فيه الجيوش
ويغشاه نحيب الغزاة.
أدخل،
ليس غير الخدر الأليف.
أيها الفارس في الوحشة،
كم تسافر من ضريح إلى ضريح.
أدخل غموضك
ولا تتوضح
ولا تهتم.
تتصاعد من أعضائه المناديل ملطخة،
ويهفو لمكبوت يتكشف في جسد تكسره بقايا الروح
وأصغر أحفاده يأخذه الوهج:
من أين جئت بكل هذا.
ليس في الجسد ليس في الروح.
يتأرجح مثل غيبوبة
مثل ليل ينسى.
وكلما غسلوه بالحديد، كلما منحوه لشكيمة الغابة،
كلما احتفت به النصال، كلما انثنى ليرأف بأعدائه،
كلما بين عينيه، كلما أسس لهدم، كلما انتحبت كلماته،
كلما كلم الماء، كلما كان يصغي، كلما الليل ينسى،
كلما الجرح والهوى، كلما الميل والتعديل.
بينه مسافة المساء المهيمن، لا يعبأ بتضرعات عناصره المتوجعة المستوحشة،
يحم جسده بتأود الأرض وطقس الوهم.
لا تتركوه وحيد الكتف موغل الليل، كمن ينتظر لصا يتذرع بالقميص، ينتظر عدوا يشفق، ينتظر ذئبة تفوز به وتعصف بطحينها جسدا تهدل جلده وتخبخب في غابة من شظايا،
تقرأ له مرثية، ما إن يلتفت، ما إن ينتر عنقه المعروقة،
ما إن يحدق، ما إن يظن أنه يرى ماءا.
ماء بين أيامه ولياليه.
يسأل، يتأجج في غرفة النادبات، يدفعونه إلى جلوس،
هو الذي لم يطمئن لقاعد ولا قاعدة.
عيونه تكسر الأفق.
بينه وبين أيامه ولياليه سؤال يؤنس وحشة الطريق.
جسد يهوى، فتنهره الروح.
تركت الغابة عليه العبء. كتف تنسل مخلوقات،
لا يسعها كتاب.
منتهى شهوة الليل، ذاكرة مزدهاة وجسارة تزخرف الشرفة. هاتف من مكان.
كلما حرك الأصدقاء خبيئته، صار له يأس،
وتيقن أن أيامه ولياليه،
ليست أياما ولا ليال.
لوقع أبصارهم رهبة الغابة وغرور الأوج.
ما من موجة إلا وهيأوا لراحتها رمل الأقاصي وغرف السفر. ما من سفر إلا وانتخب وحشا يهذي. يهيمون مثل ماء مجنون. كلما انتبذوا أقداح السهرة، فزعت أنثاهم الفاتنة بذخيرتها.
يضعون أدواتهم المتعبة عند سفح الغيم، يؤثثون الكتب بأسمال منسولة من سماء مسقوفة بالصلاة،
ينشدون مزاميرهم، وينفرون من جهة تخلعهم، رافعين شظايا الأقفال في مائدة الطريق تمجيدا.
ثمة حديد يحرس المداخل،
ثمة شعب من قلامات البركان .
قيل إنه بوصلة تضلل النساك وسدنة الهيكل.
يتكلمون، فتنهض معهم اللغة،
وتختجل الكلمات العذراء، مثل طيور ضائعة في العماء.
منذ أكثر المخلوقات جمالا وجهامة ومهاجمة، منذ الكرسي والمائدة، منذ الماء في مكانه، منذ فبراير الثلجي،
منذ آب الأخير، منذ الاستجواب المؤجل، منذ بنات آوى، منذ الأصدقاء، منذ أقاصي امرأة في انتظارها،
منذ باب المغامرة، منذ شهقة النهد والنمر ونعاس الآلهة،
منذ شظايا القدم المذعورة، منذ النوم والموت والكوابيس،
منذ القلب والقيامة، منذ شكل الكلام، منذ خدم العبيد،
منذ الجنس في الخلايا، منذ الحديد والذهب، منذ غيظ الهذيان منذ الوحيد
وحده.
كيف يعجز شخص، يزعم الكتابة، عن الكلام، كنت وحدي، وأنت تمعنين في هجومات غيابك.
وما إن أطلق ريش تعبي عليك حتى تمنحي الروح فسحة التعب.
كنت أكثر من وحيد، وأقل من الهذيان.
لا تملك عبيد العرب،
ولا تخدم ملوكهم .
قيل لهم:
هنا تستريحون من السعي،
فألقوا بأكياسهم المتهرئة لفرط ما شرشتها التضاريس. أحفاد وضعوا كواهلهم المتعبة على أصول الأشجار، وراحوا يرسمون هندسة التل، يمنحونه جيوبا سرية مشمولة بالكبريت.
أقبية خفرتها يقظة الحيوان، مخلوقات مشحوذة المخيلة،
تطلق أخلاطها في رؤوس الطرائد القادمة من الأصقاع.
كأنه يسمع، كأنه يرى،
كان الجنس يتلاطم ويتبركن. والنساء وراء الأكمات يرقبن شهيق التل شاهدا لهن.
يسحلن مكامنهن الخفية بالكمأ ونتوءات الحجر.
منذور لغفلة الوحش وكسل الأساطير.
تسمع الوصايا يلهج بها الأسلاف، وترى كيف اهتبل الأحفاد تلك الغفلة وذلك الكسل، وتكاسروا على مداخل البحر.
ألم تكن الشرفات مكتظة بكم وقت كانت جهنم لا تكف عن الدفع بمبعوثيها لشتى المهمات:
تارة لكي نساوم على ماء في النهر أو ماء في القدح،
وتارة لكي نمدح الخازوق ونتضرع للضريح.
هل أنت هكذا دوما في الملمات،
تحسن اللهو وتتبادل المرايا مع مريديك حتى الانتشاء؟
إذن، ما الذي أبقيت للنادل أيها التل الثمل؟
لا يحلو لك التهتك إلا ساعة يتهدج الجسد المرضوض
تحت الغزو.
ألم أقل إن هناك من يستحق، أكثر مني، الوقوف أمام امتحان الفلك ومشارط النطاسين.
فلم كل هذا الهياج الفاجر يتصاعد مثل نحيب المرأة المشبوقة، في حين يصطرع الغزاة وحرس التل في ضراوة من يتلو صلاة القتلى.
يا زهرة الناس،
كلما وضعت يدي عليك غاصت كأنها في ريشة السديم،
لا تعرف البوصلة جهاتك و لا يطالك الماء،
جرحك جهة تحج إليها الجيوش و تتدفق فيها الأنهار،
ويصاب بالفقد كل باسل يتوهم النصر،
أو يتوسم الهزيمة.
من أين لك كل هذا التماهي و هذه التحولات،
تذهبين إلى ناس العرس،
فيصابون بالوجل.
لك النهر و شكله، الريح و قميصها الأخير،
أخرج من النوم و اخرج عليه،
تصادف طرقا مسقوفة بالرعب، فاحرسها بزعفران المرايا، تطلع تاجات الأعالي مكنوزة بالغيم و الفضيحة المؤجلة،
ففي الحب شئ من الجنة.
ليس لك أن تنجو من وهدة الخاتمة
فليس ثمة نهاية لنص.
لنا دلالة الحزن، و الدم درج لمراراتنا،
لا النيران تغسل القميص،
لا الذئاب تألف الجب،
لا البحر يسعف السفن، و لسنا للنسيان.
أطفال يرفعون أسمالهم في طليعة أصواتنا.
يقتحمون الطريق الملكية، فنسمع دبيب الوحش في ز فيرنا. فيما نرقب صافنات عوجتها الانتظارات .
الجسد حديد طري تستفرد به دماثة الغابة،
الجسد حنين يأخذ شكل الحروف،
الجسد صمت يتلاشى في زئبق الكلام،
الجسد حالة الذهب في مديح النيران،
الجسد حيلة الطين لئلا ينجو من الماء،
الجسد ذبيحة الجسد.
بلادك أيها المجنون،
ساحة حربك الأخرى،
خطيئتك الجميلة،
فانتخب أعداءك الفرسان
قاتل و انتظر و اهدأ،
فهذي وردة للكأس سوف تقول للأطفال
عن جسد تماثل و اصطفى موتا
وأبكى غفلة النيران.
هنيئا للذي يلهو به يأس
ويحرسه رماد غادر
ويقول للموتى: صباح الليل.
يهذي،
ساعة الهذيان تفضح موت موتانا
وتمنح كل مرآة خيانتها.
صباح الليل للموتى..
إذا ماتوا.
ترون كما يرى الأعمى،
كما لا يخطئ الفقهاء في الفتوى،
كما تغفو نصال غير عابئة بموت النص.
يخافني الناس لبشاعة الظاهر،
وأخاف الناس لبشاعة الباطن.
أيها الغريب
هل في أصابعك شهوة الباب الموصد؟
هذا نهارك المشحون بالعمل و المكتشفات.
أيها الغريب
ها أنت الواحد القليل
تتكاثر كلما دلفت في رواق يأخذك إلى بهو الجسد،
حيث الذخائر يخبئها لك شخص
لا تعرفه لا يعرفك،
وبينكما ألف عرس و ألف جرس،
وعضلة مفتولة،
حريتك الأخيرة في النهار الأخير .
تدفقوا من صخرة تشتعل، لتراكم الأرض بقفطاناتكم القرمزية وتلمس أطرافكم، تحزمون المدن بشكيمة الحجر، تقودون الشجر والدواجن والفراشات والنحل والمناديل مبللة بالحزن، تحرسون الظلال الهاربة والأحلام المذعورة في نوم الأطفال تقودون ساحرات الوقت بقمصان هلهلتها وحش
غزاة أليفون لأوهامنا، نمشي في خديعة سافرة جرجر الضباع
أجسادنا نحو الجب في وحشة الصحراء وسفن التيه،
من سيسعف صخرة النار.
قفطاناتكم القرمزية، رايات الوقت، تنقذون الماء من السكينة، وتكرعون نبيذ الهجوم لتفزع المدن المستسلمة بنواقيس أفراسكم الرشيقة، مدن تجرعت عارها هزيمة هزيمة.
تذهب عن القتال متدرعة بالتعاويذ ونصوص السقيفة،
مذعنة لرغبة الموت..
كأنها تموت.
تصد عنا الهوام منسولة من الكبح تتراكم مثل تمائم الوهم، نظنها الأوسمة، فإذا هي وشم أعضائنا الذاهلة.
سقيفة تتفاقم حول الأرض بعرس باذخ، نصدق سرادق الفضيحة منصوبة فوق الضحايا.
تنهض كل ليل من الكفن والمراقد الأبدية، تقض شراشف أحلامنا واستسلام رؤانا جديرون ببشارة الشخص وحنين القرمز وشبق الكائنات.
تخرجون على خريطة الأرض، تخبطون مدنا أسلمت قيادها لأكثر الطغاة أناقة وتيها ومباهاة.
تصيرون بريد الفزع لأكثر الشعوب اطمئنانا لسجنها.
تسألنا الأرض عن عرس وعدنا به، فنتلعثم ونختلج.
أفواهنا مملوءة بالتراب، لا نعرف هل كنا نقبل الأرض كي تصفح عن سهونا وغفلة قلوبنا،أم كنا نكبت صرخات الذعر لفرط الحبسة.
ذهبنا إلى الساحة بوهم الأعداء، لنجد الأحباء في انتظارنا بالنصال المسنونة، لنسقط معا في احتضار طويل.
كنا ذريعتكم لارتداء أكثر القفطانات خجلا، نحن أحبابكم الخاطئون، نسمع نشيجكم ينبعث في صخرة مشتعلة،
مثل حمم تصعدون من الأقاصي وتقذفون بقناديلكم نيازك تبغت الغافل والنائم والمأخوذ والشريد والقاطن والمسافر. تبغت العبيد وهم يرفلون في حرياتهم المكبوتة.
صمت يخلع الأكباد من نواحها، ويفتن الأرض بأزهار القرمز الباهرة، صمت ينهر وهدة المهد.
ليل..
كما لو أنه الليل كله.
كان عليه أن يؤثث دروبه بأشباح تتميز برهافة الريح،
حوذي يغتاظ لضراوة الغبار المثار حول مواقع خيله.
ما كان له أن يغفل عن رعشة الغريب. غريب سهر الليل كله يملأ الأفق أحلاما ومناديل.
بينه و بين الطريق بوصلة ثملة،
وأسرى مجللون بالبياض.
يا حوذينا الجميل،
إرفق بنا وصدقنا و لا تذهب عنا أكثر مما فعلت.
يا حوذينا الأرعن الجميل،
ليس ثمة سفيرة في انتظار خيولك غير هذه القلوب المرتعشة، تأكل منها الغربة و وحشة الطريق.
يا حوذينا ذو الاسم الباهر،
إرخ لخيولك قليلا، واصغ لزفيرنا المكتوم،
واغفر لنا كل ذلك الحب.
تقف النساء في الساحل، غارسات أطرافهن في الرمل، يرقبن معادن تطفو عارية، غير عابئة بنسلها المهدور في الرمل. معادن ارتعشت منها الأوداج والفرائص في دكنة الليل،
دافقة ماءها، ليطلع النسل مثل السنابل.
نساء مأخوذات بالبحر وهو يأخذ الرجال.
واحدا واحدا
كل هذي الوجوه الصغيرة أعرفها،
واحدا واحدا
والطيور الحبيسة مشحونة بالمرايا و موعودة بالصور،
تأمل،
ستلمس غبطة أغصانها وهي تحنو على النهر مكتظة بالشجن، تأمل،
لأكتافها خصلة سوف تبني عليها العناصر أحلامها،
وإن سال منها الدم المستثار،
تأمل،
ستلمح فيها احتمالا و مستقبلا للنهار،
واحدا واحدا
كلما هيأ القتل و القيد أسطورة،
فز في شمعدان الطفولة وقت الصلاة.
انتظر أيها الفارس الرخو،
هذي الوجوه الجميلة تعرفها
فانتظر.
يشهد الفضاء الشاسع لحظة امتثال،
تفسح للهيكل الهائل حدودا بعيدة، لكي يخرج من هيأة
ويدخل في هيأة،
لترى الأعالي كيف يصير اللحم والعظم و الجلد والحراشف والريش حديدا مطاطا،
كأن الموقد يصهر الأشياء كما يحلو له.
فتتفلت نحو رحم لا يتمخض و لا يجهض و لا يلد،
يرتج لوقع جنازير المعدن الرديء،
مكتنزا ببشر لا يسعهم الوقت للكر،
يدفعهم المكان للفر.
كل هذا الهزيع الأخير من الوقت يدعى جنوبا و مستقبلا،
كله الآن يمتد مثل التراتيل
من مات قبل الطقوس له جنة،
ومن لم يمت لا يموت.
في مهب النهارات يكبو على التل،
هذا
هو
الطين
تحت
العذاب.
انتظر أيها الفارس الرخو،
هدهد لأبنائك المترفين بأشلائهم،
علهم يصبرون قليلا على الموت.
قل لأحجارهم:
إن هذا الهزيع الأخير من الوقت،
هذي الجهات الكثيرة محصورة في هزيع من الموت،
لو يصبرون قليلا عليه
... قليلا عليه.
كلما داعب الأصدقاء جراحي،
تماثلت للموت.
طاردني حرس الخالق منذ الكتاب الأول، منذ أروقة المكتبات المعتمة، منذ الغرف الموصدة،منذ أكثر المخلوقات جمالا وجهامة ومهاجمة، منذ الكرسي والمائدة،منذ الماء في مكانه،
منذ فبراير الثلجي،
منذ آب الأخير،
منذ الاستجواب المؤجل، منذ بنات آوى، منذ الأصدقاء،
منذ أقاصي امرأة في انتظارها، منذ باب المغامرة، منذ شهقة النهد والنمر ونعاس الآلهة، منذ شظايا القدم المذعورة، منذ النوم والموت والكوابيس، منذ القلب والقيامة، منذ شكل الكلام، منذ خدم العبيد، منذ الجنس في الخلايا، منذ الحديد والذهب، منذ غيظ الهذيان، منذ الوح
طاردني الخالق والمخلوق، حتى وصلت منهك العضل،
فائض الجزع، واضعا جسدي في شرفة الشنق، مكتشفا أنني لم أذهب طوال هذا الليل أبعد من حياة مليئة باللبونات.
الخاسر..
لا يخسر شيئا .
ها أنت، مبذول لعبور الصواري، والقبر حصنك الأخير.
لست إلا فزاعة المدينة، ترى في الرمل المذعور جيوشا
تقودها نحو البحر. لتفتح الساحة أمام تجار يتماثلون
وبحارة ينسون حرية الأعماق،
فيصابون بخناق الماء.
مثلك لا يقف هكذا مذهولا مفتوح الجراح، شرفاته مباحة للغربان و أقداحه مسكونة بعناكب الكهوف.
مثلك يصلب في الصارية.
ذاهب لترجمة الليل.
ذاهب في وطأة الجب و عذاب القميص و جنة الذئب،
ما كان لك أن تبذل جسدك لمهب الحب الصارم،
مثلما يضع الفارس شغافه في شفرة السيف..
ويحلم بالنجاة.
كنت القدم العارية كنت شظية القلب الضاري كنت مسمار الباب مارقا زهرة الصدر كنت أسئلة الكهرباء كنت نحيب الأبجدية كنت ميراث الكتب كنت شظف الخبز في العائلة كنت الحديد فاضح الليل كنت عاج العفة تقية التجديف كنت الشهوة الخفيفة كنت التميمة وصمت الناس كنت الدمث كنت
آن لكم أن تصعدوا بأبصاركم
أكثر فأكثر،
سهوب
أطلع منها في قطيع من الوعول
معلنا أنها انتقاماتي.
حوله عشرون غولا يتطاير من أطرافهم شرر عظيم
وبين أكتافهم تتهدل أسمال مضفورة
لتبدو رؤوسهم في أفاع مسدولة.
يفرك عينيه ويكرع كأسه الأخيرة
كأنها الأولى
فيكبو على وجهه في رغام رطب ينضح بسائل لزج
جسده يتعفر وينتفض ويشهق
ويضطرب في قهقهة العشرين غولا
تحيط به...
يهم أن... يتذكر...
يتذكر ... و ينسى.
في نزهة الضباع
ليل يتعثر بقفطانه المتخبخب ويكبو عند المنعطفات.
سمعت المرأة صرخة ولدها الغريب
كأنها تلده الآن
رأته، في ما ترى الثاكل،
أعضاؤه تمر تحت آلة ضارية شلوا شلوا
وهو يمزق قمطه بصريخ يفزع البهو والأروقة.
تزيح خشب النافذة، حجر الطريق، عقابيل الغابة،
تزيح صخرة القبر
لنرى امرأة مصابة بالفقد
أيها الموت..
يا حبيبي.
أنا، الوحيد الواقف في هاوية، أكتشف الآن بأني سهرت العمر أنسجها لخطواتي نأمة نأمة، زاعما أنني القوي المقاوم القادر على المجابهات. أنا المخلوق الأضعف بلا يقين ولا حجة كابرت مثل جبل يجهش في حضرة الغيم. كائن يقف فضيحة في قلب الكاهن. شهوة تفتح النهاية وتأخذ ي
أنا، قرين الوحشة، منتصف الهزيمة، قاع الوهم، جنس الندم، أسنان الأهتم، ولع البهيمة، طنافس الشيطان،جهامة العسس، هودج النوم، خسائر الليل، غنج الذبيحة،
أنا الجثة الذهبية محروسة بالهوام.
لدي من الحقد ما يكفي قطيعا من ذئاب الشهوة، ولكم أن تطلقوا دهشة الهجوم في أرجائي دون أن ينتابكم ضمير الآثم.
لكم حرية الأسلحة لكي تأخذ نصيبها مما يتبقى.
أنا، الخارج من صبر الناس الملطخ بالخطيئة معلنا أنني رسول الكلام. لم يبق سوى نهاية تليق.
أنا الوحيد الواقف وحده على شفير شاحب، ذهبت إليه منذ ذبالة الخيط البالي، متوهما أنه أول الغزل في وشاح العزلة، وضعت روحي في المهب.
قيل إن المجرات سوف تتذكر أهدابي. لكم بهجة القتل،
وأنتم تضعون نصال سكاكينكم في قلبي تفرون اللحم وتطالون العظم، فتطفر فضة روحي في وجوهكم لصلافة الفتوى.
أنا، الذئب الذاهب في ليل الملجأ، خديع الخبرة، شاغل النيران، مشعل الفتن، متعهد الهشيم، جامح الدم، متجهم القلب، خدين الشياطين.
ضبع يولغ دماء القتلى بأشفار مرتعشة شبقا وأنيابه تكزّ على عظم الجثة، كما يخلع نبي قميصه المهتوك.
جدير بكل ما تقدرون عليه من الفتك،
ولتكن حرياتكم راية الإنتقامات.
أنا، هدف القناصين، طاشت روحي بين أياديكم، تعفون ولا يليق بكم. أنتم أعذار القتلى، خطاياكم أكثر من براءة الطفل. ليس لكم أن تبالغوا بيد ترتجف وهي في مقبض المعول المثلوم بصدأ عتيق كنبيذ فاض بي ولم يحتمل الصبر في نزيف يذبح الخلايا.
يوشك الليل أن يصير كفنا يرأف بالمتلعثم أمام الحب، المبتهج بنحيب المحتضرين، المتأرجف برهاب النصل من جهات جمة.
آن السفر
آن السفر،
ولا رجوع.
لم يعد في الفضاء هواء لكي تأخذ الجثة شهقة.
ولتكن منكن الوصيفات لهودج الليل.
ولتكن منكن شديدات البأس،
ليأتي الحداد من الأقاصي.
ولتكن منكن النائحات يدفعن،بفرح دفين، جثمانا يذهب.
يعوي في السهوب:
سأذهب، لكي يعرفوا أنني جئت.
***
انتحاب
كنا نغني حول غربتنا الوحيدة
كالعذارى في انتحاب الليل.
كنا نترك النسيان يأخذنا على مهل
لئلا نفقد السلوى.. ونذكر..
أن عشاقا لنا كانوا هنا
واستأثروا بالفقد
سابونا على أوهامنا و تقلصوا عنا
وأهدونا إلى أسلافنا،
لو أنهم
لو أن عشاقا على ميزانهم مالوا قليلا
أو تمادوا في تغزلهم بعذراواتنا، أو بالغوا
لو أنهم جاءوا قبيل الماء،
أفشينا لهم أسرارنا،
كنا توضئنا لهم بالنرجس الناري
لو جاءت رسائلهم لنا كنا قرأنا سورة الرمان
سورنا بلادا بالتراتيل،
إنتخبنا بهجة أخرى،
وكنا زينة في الليل، كي لا تخطئ النيران
كي تغوي العذارى شهوة الأحلام
توقظ فتنة من نومها.
لو أنهم ماتوا قليلا قبلنا..
كنا تمهلنا قبيل الموت
أو كنا قتلنا بعضنا،
كنا مكثنا في خطايانا
وأجلنا مكاشفة العدو لعله يعفو
ويذبحنا برفق
علنا نخفي عن الجيران شهقتنا
نكابر،
ننتحي في ركن خارطة و ننسى هجرة
ونغض طرفا عن منافينا و ننكر جرحنا
كنا تشنجنا على أكبادنا
كنا كتمنا،
لم نكابد غبطة العشاق
لم نفتح كتابا فاتنا في الحب
أو كنا قنعنا بالخسارة كلها
لو أنهم ..... *
مديح اليأس
لم تكن أخطاؤنا أغلى من الأبناء
كابرنا لكي نخفي هوانا عن معذبنا
مدحنا يأسنا، متنا
وسمينا اختلاج الروح تفسيرا،
تقمصنا الهواء.
لم تكن أخطاؤنا أغلى
تماهينا، شحذنا نعشنا،
وسمينا هوانا كاسر النسيان
أسرفنا و أرخينا مراثينا
لئلا يعرف القتلى طريق الموت
.. ئلا تشفق الرؤيا على أخطائنا.
لم ينتخبنا سيد، لا نغفر الأسماء،
لم نحضر دروس النحو،
لم نعرف مكانا آمنا للحب. *
جمرة الفقدان
ماذا سيبقى عندما تنهال جمرتنا الخفية في هواء الليل
ماذا يختفي فينا
وهذا ماؤنا الدموي يستعصي
وطير الروح ينتظر احتمالا واحدا للموت.
***
هل نمشي على ليل الحرير لجنة تهوي
ونمدح بالمراثي،
ربما ينهار أسرانا على تذكارهم و نؤجل الأسلاف،
هل نمنا طويلا كي نجرب موتنا
فينالنا، ... ويؤلف الأشياء ثانية.
فماذا ينتهي فينا ويبدأ
عندما تبقى بقايانا على باب المساء
وتصطفينا شهوة المكبوت
أو ماذا سنقرأ في المرايا
هل نؤثث سورة الفتوى بتفسير يكافؤنا على الأخطاء.
لو كنا عرفنا جمرة الفقدان
وهي علامة الشكوى
ستمدح موتنا.. متنا
لئلا ننثني شغفا
فنشهق في اندلاع الحب
يذبحنا ويلهو في شظايانا.
***
هنا وهم سينقذنا من الأحلام،
نحن شهوة الفردوس
نهذي في جحيم غير مكتمل
لكي نسهو عن المكبوت و الرغبوت.
لو فيروز توقظ ماءنا ...
... كنا توضئنا لئلا ننتهي
يا منتهانا
هل سرى ترياقنا فينا
فأدركنا مرارتنا و أوشكنا على ندم
فقدنا منحنى أحلامنا في الوهم
قلنا شعرنا كي يفضح المعنى
ويغفر أجمل الأخطاء.
ولو قلب لنا أغفى على كراسة الأسماء،
لم تكمل أغانينا
بكينا حسرة وتماهت الذكرى مع النسيان،
أو كنا مزجنا ليل قتلانا بماء النوم
لم نهمل قصائدنا على ماض لنا
متنا قليلا و انتهينا في البداية
لم نؤجل سرنا
كنا انتحرنا قبل قتلانا
وأخطأنا كما نهوى
فلا ماء سيرثينا و لا نار ستمدحنا.
***
جئ لنا واذهب إلينا
ذلك الباب الموارب
غير مكترث بوحشتنا الغريبة
وهي تهتف في النوافذ و اصطخاب الروح.
يا الباب الموارب غير مكترث
تواضع برهة و ارأف و صدقنا قليلا،
أيها الباب الموارب غير مكترث بنا
اغفر لنا و اسأل وصادقنا قليلا.
هل تمادينا وبالغنا بحبك كل هذا الليل
كي يأتي عليك الوقت تنسانا
وتبقى موصدا .
نغفو على أشلائنا،
نحن الذين انتابنا ماء العناق
وساعة الرؤيا
وأنت موارب،
قمصاننا مثقوبة و يداك في وحشية النسيان تمحونا.
لماذا وحدنا قمصاننا مثقوبة بالقلب
هل نهفو إليك و أنت في غيبوبة الرؤيا
ترانا دون أن تحنو علي ما ينتهي فينا.
أيها الباب الموارب
أيها المرصود و العشاق ينتظرون في بهو المسافة
قل لنا واغضب علينا
وامتحن و اعصف بنا واشفق علينا
إنما لا تعتذر عنا أمام الناس
يا باب النجاة و منتهى أسرارنا
افتح لنا و انظر
ولا تغفل و لا تقسو علينا
أيها الباب الموارب..
جئ لنا.. و اذهب إلينا.*
قاسم حداد
التعديل بواسطة: سيف الدين العثمان
الإضافة: الأحد 2007/02/11 05:54:29 مساءً
إعجاب
مفضلة

أضف تعليق

يجب تسجيل الدخول أو الاشتراك أو تفعيل الحساب اذا كنت مشترك لإضافة التعليق


أعلى القصائد مشاهدة للشاعر
أعلى القصائد مشاهدة خلال 24 ساعة الماضية
انتظر معالجة القصيدة ...
جميع الحقوق محفوظة لبوابة الشعراء .. حمد الحجري © 2005 - برمجة وتصميم
info@poetsgate.com