تاريخ الاضافة
الأربعاء، 19 يونيو 2013 09:25:50 م بواسطة حمد الحجري
0 332
بَسَطَ الأفقُ لِوا الليلِ البهيمْ
بَسَطَ الأفقُ لِوا الليلِ البهيمْ
فوقَ قصر من بقايا الأعصُرِ
ثم لاح البدرُ ما بين الغيومْ
سابحاً بين النجوم الزُّهَّرِ
برزتْ في روضةِ القصرِ فتاةْ
تتمشَّى وحدَها وسطَ الظلامْ
وعليها من غَضَارات الحياةْ
كلُّ ما يطبَع في القلب الغرام
نظر البدر لتلك الوجناتْ
فتوارى خجلاً خلفَ الغَمام
وهي بين ذَهابٍ وقدومْ
تجتني في الروض بعض الزهَرِ
كلّما مرّت وقد مرّ النسيمْ
سجدتْ عفواً غصونُ الشجَرِ
رأتِ البدرً تَوارَى في السماءْ
عن مُحَيَّاها بظلّ السحُبِ
فتوارتْ لا حياءً إِنَّما
قَصَدَتْ تمثيل بعضِ اللَّعبِ
حين تبدو يختبي أو حينما
كان يبدو هُوَ كانتْ تختبي
منظرٌ ترقُبُه زهرُ النجومْ
وهي سكرى شاخصاتِ البصَرِ
مجّدي يا أرضُ مولاكِ الكريمْ
واشكري مبدِعَ هذي الصُّوَرِ
ليلةً فيها تراءى قمرانْ
قمرٌ باللُّعْبِ يلهو مَعْ قَمَرْ
فاستوى ذاك على عرشِ الزمانْ
وعلى عرش الهوى هذا استقرّ
وَقَفَا حتّى تلاقى النظرانْ
نظرٌ يَبْهَرُ بالحسن نَظَرْ
شخَصاً هذا على ذاك يُديم
نظراتِ الناقد المفتكِرِ
رأت العُجْبَ مع الحسنِ مُقيم
ورأى اللطف وحسنَ المنظرِ
أَيْ أمير اللَّيل خفّفْ عَجَبَكْ
لكَ في الأرضِ شبيهٌ ومثيل
وَهَب اللُه لهما وهَبكْ
فكِلاَ وجهيكما باهٍ جميلْ
إن تكنْ تعجب في سكنى الفلكْ
وتباهِي مَنْ على الأرض نَزيلْ
فلكم جسمٌ على الماء يعومْ
حين تحت الماء أبهى الدُّرَرِ
ما ترى الأقدار تعلو باللئيم
وتسوم الذلّ ربّ الخطرِ
يا دُجى الليل استطِلْ مهما تشاءْ
واستمِعْ بالله نجوى القمرَينْ
قمر الأرض إلى بدر السماء
يشتكي مرَّ حياة العاشقَينْ
أَنت قالت يا شقيقي في البهاءْ
لَمْ تَذُق مثلي عذابَ الحالتينْ
بين قربٍ ونوىً ليس يدومْ
غيرُ وجدٍ بالحشا مستترِ
نحن أهل الحبّ لا نَلقَى رحوم
فالهوا مجلبةٌ للكدَرِ
نَصَبَ الحبُّ لقلبي شَرَكا
فهوى قلبي بهذا الشرَكِ
ورمى المجدُ لنفسي شَبَكا
فهوت نفسي بهذا الشبكِ
ويحَ قلبي أَيَّ أمرٍ سلكا
فكلانا في هوانا نشتكي
والذي في حبّهِ نفسي تَهيم
ويحه ليس شريفَ العنصُرِ
فأبي يشكو ولي أمٌّ تلومْ
إنّما قلبي يناديني اصبري
إن يكن ليس بذي مجدٍ خطيرْ
فهو في أخلاقِهِ غيرُ دَني
أو يكنْ في هذه الدُّنْيَا فقيرْ
فهو في الآداب والفضل غنى
أنا لا يُسعدني المالُ الكثير
إنَّ أخلاقَ الفتى تُسعِدني
ونصيبي من أبي قسم عظيم
فيه نكفي لطويلِ العُمُرِ
وإذا احتجنا الغنى عند اللزومْ
فيدي في يده للوطَرِ
يا أميرَ الليلِ أمي وأبي
جعلا موعِدَ إِقناعي غدا
وأنا لستُ أرى من سببِ
موجبٍ قرّب هذا الموعدا
فابن عمي قد أتى في طلبي
وأنا لا أرتضيه أبدا
فالغنى والمجد والجاه الفخيم
كلُّه ليس بآدابي حَرِي
أنا لا أرضى بذي خُلق ذميم
دأبُهُ اللهوُ ولُعْبِ المَيسِرِ
وأَبي قال إذا لم يُرضنِي
إبن عمي فلديه ابنُ صديقْ
حَسَنُ البزَّة والوجهِ غني
طيّبُ العنصرِ في المجدِ عريقْ
جاء من يومَينِ كي يخطُبني
وهو حتى الآنَ ما كاد يُفيق
همُّه ما بين كأسٍ ونديمْ
وعلَّمَ ابنَ العمّ شربَ المُسكِرِ
أوّل الليل إلى بنت الكرومْ
وإلى البيتِ قبيلَ السَحَرِ
كيف يا بدرُ يَطيبُ العيش لي
وأنا غايةُ سؤلي الشرفُ
لستُ أُنشي مرسحاً في منزلي
بالملاهي بين قومي يُعرفُ
ما تُرى يكتُم لي مستقبلي
إن يكُ الذُّلُّ فموتي أَشرفُ
يا أميرَ الليل عَفْواً فأرومْ
غَفوةً من بعدِ هذا السَهَرِ
وغداً إما نعيمٌ أو جحيمْ
ويحَ قلبي فستدري خبري
بَرَزت في الصبحِ في القصر الفتاةْ
وانبرى من حولها طُلاَّبُها
فاستقرت فوق عرشِ المُهَجَاتْ
تاجُها في مجدِها آدابُها
وحوالي عرشِها غرُّ الصّفات
هي يا أهلَ الهوى حجَّابها
ولها طرف على القوم يحومْ
مستعيرٌ نظراتِ الجؤذرِ
وهْيَ ما بينَ همومٍ وغمومْ
ساوَرتها عرضة للفِكَرِ
موقفٌ ليس بسهلٍ لفتاتْ
لم تَجُزْ في العمر عشرينَ ربيعْ
يُقبِل الناسُ عليها عشراتْ
وهي تُضْطَرُّ إلى رفضِ الجميعْ
أَصبحت بالرغم تَعصَى كلماتْ
والديها بعد أن كانت تُطيعْ
وأبوها صابرٌ صبرَ الحكيمْ
لا يخطّيها سوى بالنظرِ
وهنا فازت على الصبرِ الهُمومْ
فبكت عن خاطرٍ منكسِرِ
ورأى والدُها مَدْمَعَها
فتوارى مُخفِياً عنها الكمَدْ
وهي قامَت تبتغي مَخدَعها
ريثَما يرجعِ للقلب الجَلَد
هبّتِ الأمُّ وسارت مَعَها
إنما الأمُّ عَزاءٌ للوَلَد
وانحنت فوق مُحَيَّاها الوسيمْ
تمزُج الدرّ به بالجوهرِ
ورأت في صدرها الجمرَ الضريمْ
فَغَدَتْ تُطفِئُه بالعَبِر
بين ضَمّ مستمّرٍ والقُبَلْ
رُسمت في وجنةٍ أو فوق جيدْ
خمَدت في صدرها نارُ الوجلْ
وتلاشى مَدْمَعٌ كان يجودْ
فَزَها روضُ محيّاها وحَلّ
ملَكُ الزهرِ على عرش الخدودْ
وعليها رَسَمَ الحسنُ رُومْ
تتجلّى في جبين مسفِرِ
مَلَك غادر جنات النعيمْ
وأتانارحمةً للبشرِ
ثم قلت أُمُّها من بعدِ حينْ
يا ابنتي باللهِ ماذا لوّعَكْ
أيَّ ذَنبٍ أنتِ عني تكتمينْ
لوه تُجرين دوماً مدمعَكْ
فاكشِفِي من صدرِكِ السرَّ الدفينْ
فلَعلّي يا ابنتي أبكي مَعَكْ
فاعترى البنتَ ارتعاشٌ وهمومْ
وأسىً عن أمها لم يُستَرِ
وأجابت وَلَها دمعٌ سجيمْ
فوق خدّ بِالبَهَا مزدَهِرِ
أنا يا أمّ فتاةٌ ليس لي
زَلّةٌ يَنْدَى لها وجهُ فتاةْ
وفؤادي إن يكن غير خلي
فضميري ليس ينسى الواجباتْ
أفأجني سبباً للخجلِ
وأنا بنتٌ لخير الأُمَّهَاتْ
وأبي علّمني أسمى العلومْ
وغَذاني بالتقى من صغري
طفلةً سرتُ على النهج القويمْ
وسأبقى هكذا في كِبَري
لَسْتُ في سرّي أَخاف العذَلا
فأنا أهوى فتى غُرَّ الخصالْ
حسَنَ الأخلاق يسعى للعُلى
شاعر يسبَح في جو الخيالْ
يمدح الآداب والفضلَ ولا
تستبيه كبرياءٌ وجمالْ
تَخِذَ الكونَ له بيتاً فخيمْ
فيه يحيا بهناءٍ أوفرِ
فإذا شئتُ فمن هذي النجومْ
ينظم العِقدَ لجيدي النضِرِ
أنا لم أعشَقْ غِناهُ والحسبْ
وهو لم يُفتن بمالي والبهاءْ
فكلانا شرفَ النفس أَحبّ
وكِلانا في الهوى العذريْ سواءْ
شاعر يَحْيَا بقلبٍ من ذهبْ
آه ما أصفى قلوبَ الشعراء
فارفقي يا أمّ في قلبي الكليمْ
وهبيني من حياتي وَطري
أو دَعيني في حمى دير أُقيمْ
لإله الكون أشكو ضَرَرِي
ثم عادت فأفاضت دمعتَين
زادتا شرح خفايا سرّها
ورأتها أمها تَذري اللُّجين
تُطفئ الجمر به من صدرها
فغدت تلثِمُها في الوجنتين
وغدت تلثِمها في نحرها
وأقامت تمسَح الدمعَ السَّجوم
وهي لا تبقي له من أَثَرِ
فانظروا ما صنع الربُّ الكليمْ
بَشَرٌ يمسَحُ وجهَ القمر
ثم قالت يا ابنتي لا تجزَعِي
فالذي تبغينه سوف يصيرْ
أنا أدرى بالفؤاد المولَعِ
وبأهل الحبّ لي قلبٌ خبير
يا ابنتي اصغي لحديثي واسمعي
لم يعُدْ قلبي على الضيم صبورْ
فأبوك الشيخ مثلي لا يرومْ
لكِ إلا صفوَ عيشٍ مزهِرِ
وكلانا اليوم في حزن أليم
قد رُمينا بالبلاءِ الأكبَرِ
مطر الدهرُ علينا النّقَما
بعد أن كنّا بأنسٍ وصفاءْ
وكسانا البؤسُ ثوباً مُعلَما
طرّزته بالشقا أيدي البلاءْ
أمسِ في السوق خسِرنا الأسهُمَا
كلَّها واليومَ صِرنا فقراء
وخسرنا يا ابنتي العزَّ القديمْ
فغدونا عرضةً للخطرِ
وجفانا كلُّ ذي وُدّ حميم
فانظري حالتنا واعتبري
يا ابنتي أنتِ لنا خيرُ نصيرْ
قد وضعنا حِملَنا هذا عليهْ
فخطَبناك لذي مالٍ كثير
لتكوني ملجأ نأوي إليه
أشرف الأبناء نفساً وضمير
يؤاسي في الرزايا والديه
حرةٌ أنتِ بذا الأمرِ العظيم
فاعملي من بعد أن تفتكري
واعلمي أنّ الصراطَ المستقيمْ
لا يُرى إلا بفكرٍ نيّرِ
كلماتٌ لم تكن إلا سِهام
خَرَقَتْ قلبَ الفتاة الطاهرِ
فبكَتْ والدمعُ في العينِ أقامْ
مثلَ إكليل لوردٍ زاهرِ
من رأى من قبلها بدرَ التمام
يسكُب الدُّرَّ بوجهٍ ناضرِ
وغدَا اللؤلؤ في الخدّ نظيمْ
هامِياً من تحتِ طرفٍ أحمرِ
فأجابت ومُحَيّاها الوسيم
سوّدته حادثاتُ الغِيَرِ
إيه يا أمي خَسِرنا كلَّ شي
فاخبرني هل خسِرْنَا الشرفا
لعِبَ الدهرُ بنا نشراً وطي
بعد أن كان علينا عطَفَا
إن يكن قد فرّ سَعدي من يَدَيْ
فإله الكونِ حَسْبي وكفى
فاصرفي يا أمّ ذا الحزنَ المقيمْ
والبسي ثوب لصفا واصبري
أفلم يبق لنا المجدُ سليم
فيقيناً صرفَ هذا القدر
دونك الآنَ حُلاي الباهرهْ
فهي تكفي والدي شرَّ البلاءْ
ودعيني في حيتي الناضرهْ
ليس لي إلاّ الأماني والرجاء
لست أرضى أن أراني تاجرَه
بين قومي بجمالي والبهاءْ
أنا في عَهْدي محبي سأقوم
بالوفا حتى فناء العمرِ
وعظامي في الثرى وهي رميمْ
تنثني شوقاً له إنْ يُذكَرِ
في مصلّى قريةٍ فوقَ الأكامْ
بين زهر الحقلِ والعشب الرَّطِبْ
كاهنُ اللهِ بلطفٍ واحترامْ
مدّ أيديه ونادى في طرب
يا إله الأرضِ كلّلْ بالسلام
شاعر الكونِ على بنتِ الأدبْ
ثم نادى يا ابنة الفضلِ العميمْ
فضلُ هذا الوالد الآن اشكري
ربحت أسهمُه القدْرَ الجسيم
فانعمي في ظلّ عيشٍ أخضرِ
وانبرى والدُها مبتسماً
راسماً في خدّها بعض القُبَلْ
مُظهراً عودَ غناه بعدما
أنزل الدهرُ بهِ الخطب الجلَلْ
ثم نادى يا عروسيَّ انعَما
لكما الآنَ حَلا شهرُ العَسَلْ
وأقيما حيثُما الحبُّ يُقيم
ناشراً راي الهنا والظَّفَرِ
لَكُما في روضِهِ الزاهي النعيمْ
فاجنيا منه لذيذَ الثَمرِ
ثم ساد البِشر والأنسُ ملكْ
ببهاءٍ فوق عرشِ المُهَجَاتْ
ورأى الناظرُ في الأفقِ مَلَكْ
حاملاً إكليلَ زهرٍ للفتاةْ
وبدا يكتُبُ في وسط الأفُقْ
بحروفِ النور هذي الكلماتْ
كبرياءُ النفسِ والخلق الذميم
لا يَجنَّانِ بحسنِ المنظرِ
وجمال الوجه والطبع الكريمْ
لفتاةٍ فتنة للبشرِ
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
أمين تقيّ الدينلبنان☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث332