تاريخ الاضافة
السبت، 28 ديسمبر 2013 09:42:25 م بواسطة حمد الحجري
0 469
مشت مشي القطاة إِلى الغدير
مشت مشي القطاة إِلى الغدير
يدغدغها ضيا البدر المنيرِ
مهفهفة من الادلال سكرى
تسيرُ كأنها صرعى خمور
تسيرُ وفي محياها ابتسامٌ
وفي أحشائها نارُ السعير
وبين ضلوعها ظلمات قبرٍ
وفوق جبينها فيضان نور
حذت بجمالها حذو البغايا
لتُطمعَ فيه أربابَ الفجور
إذا رأت الفتى تصبو إليهِ
وتلفت لفتة الظبي الغرير
فينفرُ والجمال يجلُّ لكن
إذا ما بيع قوبل بالنفور
ولكنَّ الهوى غير التسرّي
وحبُّ العين غير هوى الصدور
وقد لقيت فتاها فاشر أَبَّت
إِلى وجه السماءِ كمستجير
وقالت ربّ أنت عرفت مابي
من البلوى فكن فيها عذيري
وأنت غضضتَ عني الطرف حتى
يئست وكان من يأسي فجوري
أجلّك عن معاقبتي بذنبٍ
أموت به لكي يحيى صغيري
فيا ربي أجرني في بلائي
فأنت كما رووا اقوى مجير
أخاف البدر يفضحني فاشقى
بوصمته إِلى أبد الدهور
فرقَّ لها ولبَّاها سريعاً
فعاملها بمرحمة الغفور
ونادى الريح فانعقدت ضباباً
فظللها كمرخيّ الستور
وكان البدرُ مطَّلعاً يراها
وقد جعلت فتاها كالاسير
فقنَّعه الغمام فصار يرنو
إِلى الاثنين بالطرف الحسير
رأى بالوهم ما قد كان حقاً
فثار كثورة الصب الغيور
ومزق حجبهُ فرأى فناها
يودعها ويهزأُ السفور
رآهُ وهو يعطيها ريالاً
فإن يشهد فلم يشهد يزور
مشت توًّا إِلى بيت صغيرٍ
تقيم به مع الطفل الصغير
ينام على الحضيض بلا غطاءٍ
فقد بيع الغطاء مع السرير
وقد أضنته حمى الجوع حتى
غدا كالظل من غصن نضير
فاذرت فوق خديه دموعاً
كما قطر الندى فوق الزهور
تقبلهُ على جزعٍ وتبكي
كشرب الطائر الفزع النفور
مخافة أن يفيق وما أتته
بشيءٍ بعد من أكلٍ وفير
وجففت الدموع فعانقته
وغطته بجزءٍ من حصير
وسارت تشتري أشهى فطبر
فقد ألف ابنها أكل الفطير
تضمُّ ريالها شغفاً وحباً
فيضطرب الريال من السرور
ولا تدري بما قد خبأتهُ
لها الأقدار من بؤس المصير
هي الحرب الضروس وكم أساءت
فظائعها إِلى الخلق الطهور
فلم تفسد طباع القوم طرَّا
ولكن أفسدت خُلق الكثير
وكان النقص في الكبراءِ عيباً
فصار العيب مفخرة الكبير
وكان الغارُ للأبطال تاجاً
فصار الغار مرعى للحمير
مهرولة إِلى البقال حتى
أتتهُ وهو معتزم المسير
فقالت هات من هذا وهذا
وأسرع فالغلام بلا فطور
وأعطته الريالَ فمذ رآهُ
تفحَّصُه كنقَّادٍ خبير
وقال لها لقد خدعوكِ فيه
وكم عبثوا بغيرك من فَقير
ريالك زائف لاخيرَ فيه
فهاتي ما أخذت به وسيري
فصاحت صيحة خرجت عواءً
وصاحت صيحة مثل الزئير
وقطعت الشعور ولم تبالي
وهامت في الطريق بلا شعور
إِلى الوادي إِلى أن أدركته
وبدر الأفق يغرق في البحور
والبسها الجنون جناح طير
فجازته بأجنحة الطيور
وعند الصبح الفوها قتيلاً
تحطَّم رأسها فوقَ الصخور
وفي يدها الريال فكفنوها
وذاك الطفل في ذاك الحصير
جنازات شهدناها ثلاثٌ
تسيرُ بذلك اليوم المطير
لقد قَتَلَ العفافَ الجوعُ قهراً
فمات مع المروءة والضمير
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
طانيوس عبدهلبنان☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث469