تاريخ الاضافةتاريخ التعديل
الأحد، 6 ديسمبر 2015 06:09:29 م بواسطة صباح الحكيمالإثنين، 7 ديسمبر 2015 12:24:49 ص
0 236
من أوراق حُنَيْن البغدادي
[مقطع عرضي لمدينة]
كمْ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
كمْ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
كمْ ابتعدْنا عن أناقةِ المياهْ
وبابلٌ تحتَ الأبابيلِ
قصيدةٌ لها ملامحُ الأجدادْ
كم ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
وكمْ تفتَّحتْ وراءَ لَعثماتِنا مَسافهْ
ودجلةٌ يرزُمُ في حقيبةٍ ضِفافَهْ
يرحلُ ، كي يسألَ عنَّا،
حاملاً تكسُّراتِ الكرْخِ والرصافهْ
على السهولِ دمعةٌ
تبحثُ في خِزانةِ الغروبِ عن بكاءْ
وفي البعيدِ كانتِ الشمسُ تَضيعُ،
تَمَّحي الأسماءْ
حُنَيْنُ ماعادَ إلى البيتِ،
وخُفَّاهُ مُعلّقانِ في المَزادْ
سأَنطلي على الدروبِ كي أراهْ
موعدُنا بينَ رصاصتَينْ
سأقْتفي دمي لكي أراهُ
قالَ غلامٌ: قد رأيتُهُ ضحىً
مُخَضَباً باسمِهِ بينَ سَحابتَينْ
قالَ فَتىً: رأيتُهُ يخطُبُ بالمَوتى
قُبَيلَ الفجرِ في مقبرةٍ، ويقرأُ المياهْ
لابدَّ أنْ أراهْ
وأنْ أرى احتكامَةَ الحُكّامِ في عينيهِ،
وانسكابةَ السَّوادْ
كم ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
وهي أنينُ ابنِ زُرَيْقٍ،
إذْ سَباهُ القمرْ الكرْخيُّ أشواقاً،
فماتَ فوقَ صخرةٍ،
لكنّهُ مازالَ يأتي يطرُقُ الأبوابْ
يُبعَثُ كُلَّ لَيلةٍ،
إذا التقى العشّاقُ في بغدادْ
كمْ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
وهي حَنِينُ ابنِ جُرَيْجٍ([1])،
إذْ يَصيحُ والِهاً:
( لي وطنٌ آليْتُ ألاَّ) ([2])
أخلَعَ الوحشةَ إلاّ فيهِ
مهما التبسَ الإيابْ
وهي فُكاهاتُ أبي دُلامةٍ،
وَوَعْظُ بُهْلُولٍ،
وإمتاعُ أبي حيّانْ
وهي أبو نُواس الظريفُ،
إذْ يَسألُ في الحاراتِ عن جِنانْ
وأغنياتُ المَوْصِليِّ،
والأصابعُ التي زَها بها زرْيابْ
وهي الشناشيلُ التي
كمْ زَلِقتْ شموسُنا منها،
وكمْ مرَّ بها سُهادْ
كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
وهي عُيونٌ للمَها وأدمُعٌ،
ونجمةٌ تطْلُعُ مِنْ حَفاوةِ الشطآنْ
وهي الندى الصَّيفيُّ،
والجُسورُ فوقَ دجلةٍ،
والسَّمَكُ السهرانْ
وهي انخطافُ الهمسِ بين قُبْلٍة وقُبْلَهْ
وهي بقايا عِطْرِ ألفِ لَيْلَهْ
وهي هُطولُ الوَلَهِ الكَوْنِيِّ،
والنخلُ،
وحرْفُ الضادْ
وهيَ جَنازةٌ،
رماها الجُنْدُ فوقَ الجسْرِ يوماً،
ثم نادَوا حولَها:
هذا إمامُ الرافضينَ جاءكُمْ،
وآخِرُ العُبّادْ
فهرولتْ إليهِ آلافُ الحقولِ، والفصولِ،
والمواسمِ التي أتْعَبَها الغيابْ
وابنُ سُوَيْدٍ واقفٌ للآنَ فوقَ الجسرِ،
مشدودٌ إلى الميعادْ
كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
وهي تَكايا الأولياءِ،
والمساجدُ التي ما رَطَنَتْ يوماً،
ولا خافَ بها أذانْ
وهي خُطى بِشْرٍ يَدُورُ حافياً،
وقِبْلةُ الزهّادْ
وهي تَواريخُ الحفيفِ،
وانكشافاتُ الجُنَيدِ،
والكُوى، والعِشقُ، والأفياءْ
يومَ خرجْنا،
كانَ في وداعِنا الرضِيُّ،
بالعِمامةِ السوداءْ
وكانَ قُرْبَ السورِ،
حاسراً طعيناً، يُومِئُ الحلاّجْ
يصرُخُ بالسيّافِ:
هيَّا افتحِ الرِّتاجْ
إنَّ نَديمي سوفَ يأتي،
عَبْرَ تلكَ الريحِ والأمواجْ
كان به مس من اليقينِ،
فانحنى،
ودَسَّ خاتَمَ الثورةِ تحتَ السورِ،
غيرَ عابِئٍ بقامةِ الجلاَّدْ
ثمّ اختفى،
مُغرَورِقاً بالوجْدِ والإيماءْ
كَفّاهُ في السماءِ نَجْمَانِ،
وعَيناهُ على بغدادْ
كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
وكمْ تَناءَتِ الغُصونُ،
تحتَ غيمةٍ من التوعُّكِ المَديدِ،
كنّا نسألُ الشهورَ عن حُنَيْنٍ الفقيدِ،
إنْ كانَ إلى بُستانِهِ قدْ عادْ
قالَ الخَفيرُ:
قد تركْتُهُ بلا رأسٍ ولا خُفَّيْنِ،
في السوقِ يُغنِّي باكياً،
ويشتُمُ السلطانْ
لم يُمهلوه لحظةً،
ليكتُبَ العُنوانْ
لكنَّنا بَعْدَ سنينٍ،
عَثَرَتْ دماؤنا بِهِ،
وكانَ حزنُهُ ضَفائرَ الشمسِ،
تُغطِّي عَتَباتِ السجْنِ والسجّانْ
ينزِلُ في القُرى،
مع البُروقِ كلَّ مَرَّةٍ،
ويُشعِلُ الأسوارْ
يجلِسُ تحتَ نخلةٍ،
ويَجْمَعُ الصغارْ
وذاتَ يومٍ ناحلٍ قالَ لهمْ:
تَذكَّروا،
أنَّ الترابَ دفترُ اللهِ الذي
تَخجَلُ منهُ النارْ
وحِبْرُهُ السرِّيُّ هذهِ الدماءْ
ثمَّ أَشارَ،
نحو جَهْشةِ الغيابِ في عيونِهْم،
وقالْ:
الوطنُ الجنَّةُ،
مهما ابتعدَتْ أقدامُكمْ عنْهُ،
وماتَ خلفَكم نهارْ
تذكَّروا موعدَنا هناكَ يا أطفالْ
ثمَّ مضى مُبتعداً،
يلْتَفُّ بالأسماءْ
ويَسألُ الريحَ عنِ البلادْ
وصوتُهُ يخضرُّ،
كلّما تلاقَتْ فوقَهُ الأَمطارْ
قدْ حفِظَ الأطفالُ ماقالَ لهمْ،
ولم يَزَلْ يحفظُهُ النخيلُ،
والأنهارْ
وفي الربيعِ،
تُقبلُ الطيورُ كي تزورَ ظِلَّهُ،
وتُعلِنَ الحِدادْ
ومالِكُ الحزينُ مازالَ حزيناً،
في خرائطِ الرمادْ
كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
وكمْ تشبَّثَتْ بنا أصابعُ
وراودَتْنا أدمُعٌ عن نفسِها
وانكسَرتْ شوارعُ
أَصْفارُنا تراكمَتْ
على يَسارِ الوقتِ أكْداساً،
ولم يكُنْ لنا حصادْ
كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
هناكَ لم تزَلْ لنا نوافذٌ،
ولم يزَلْ في ساحةِ التحريرِ
واقفاً جوادْ([3])
يُشير للآتينَ مُثْخَناً بدمعتَيْنْ
وقُرْبَهُ كانَ ابنُ مَرْدانٍ على مِصطَبةٍ،
يحترفُ النسيانْ
حُروفُهُ عاريةٌ([4])،
ووجهُهُ يُشاكِسُ الزمانْ
(في الطَابَقِ الرابعِ مِنْ عِمارةٍ)،
كانَ ابنُ يوسُفٍ حزيناً،
راحلَ العينيْنْ
نَخْلُ السماوةِ ([5]) استدارَ حولَهُ،
وغِرْيَنُ النَهْرَينْ
وكلَّما بكى بكَتْ بغدادْ
مُظَفَّرٌ والأَبجديَّاتُ تُغَطِّيهِ،
تَدُقُّ ساعةَ القِشْلَةِ([6]) في جبينِهِ،
فيبدأُ الأسفارْ
يحمِلُ دفتراً،
وأسمالَ أبي ذَرٍّ،
ويمضي في (قطارِ الليلِ)،
مفتوناً بكلِّ نَسْمةٍ مرَّتْ على بغدادْ
بغدادُ يا بَرْحـيَّةَ ([7]) النخيلِ،
ياسبائِكَ الهديلِ،
ياقارورةَ البكاءْ
يا رعشَةَ اللّقيا،
وطَعْمَ الماءْ
بغدادُ هذا سيّدُ النخيلِ،
يلتقيكِ تحتَ خيمةٍ،
أَغْفى بها يقظانْ.
يقطِفُ قيلولةَ نورسٍ، ويعدو هاتفاً:
( ما اشتبكَتْ عليكَ أَعْصُرٌ)،
ولا خَبا بليلِكِ الغزيرِ شَمْعَدانْ
إلاَّ وكُنتِ للشموسِ مَرْفأً،
وللضحى مِيناءْ
بغدادْ
على الخليجِ مُتْعباً،
قد وقف السيّابْ
وفيقة([8]) تفتَحُ شُبّاكاً لِلُقيْاهُ،
وإقبالُ([9]) تناديهِ فلم يسمعْ،
سِوى أغنيةٍ تَسيلُ مِنْ مقهىً،
وراءَ الدمعِ،
فيها نفحاتٌ من شَذى بغدادْ
كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ
عبْدُ الوهابِ والأباريقُ التي
مامُلِئَتْ يوماً،
ولا كانَ لها مكانْ
عائشةٌ([10]) لم تأتِ بَعْدُ،
كي تُريقَ شعرَها بين يديهِ،
كانَ بابُ الشيخِ([11])
بابَ اللهِ في عينيهِ،
والنهايةَ المِيلادْ
ماتَ وحيداً كالنسورِ،
عالياً في حَضْرَةِ الرياحْ
مُلتبساً بنيزكٍ،
يأتي مع الصباحْ
جَبْهَتُه العريضةُ
ارْتَمَتْ بها الراياتُ والبحارْ
وفي شُحوبِهِ غَفَتْ بغدادْ
بغدادْ
خُطى الجواهريِّ في الساحاتِ غَضَّةٌ،
وصَوْتُهُ الهديجُ،
والطاقيةُ([12]) التي تلاقتْ
تحتَها الأَضدادْ
إذْ يُشعِلُ الدنيا بإصبَعَيْنْ
ويَنزوي
مُودِّعاً بدمعِهِ النُّدمانْ
أوراقُ مقصورتِهِ التي
مضى الموجُ بها،
لابدَّ أنْ تَظهرَ يوماً،
كشموعِ الخِضْرِ فوقَ الماءْ
وجعفرٌ([13]) يعلمُ أنَّ جُرْحَهُ فَمٌ،
وأنَّ قبرَهُ يدانْ
بغدادْ
كمْ أنتِ تغرَقينَ بالأسرارِ يا بغدادْ
ظَلَّ الرُّصافيُّ على وِقْفَتِهِ([14])
رَغْمَ الصواريخِ التي مرَّتْ به
والجوعِ والأحزانْ
ينظُرُ نحْوَ دجلةٍ كعاشقٍ،
وطائرٌ الفينيقِ حطَّ فوقَ كِتْفِهِ
ولم تزَلْ رَغْمَ الليالي
يدُهُ في جَيبِهِ
وشارعُ الرشيدِ مازالَ
لكلِّ ضائعٍ عنوانْ
مرَّ الحُصَيْريُّ([15])
وكانتْ كأسُهُ تَختصِرُ الأشياءْ
يَطوي خُطاهُ مُسرعاً
لحانةٍ في ساحةِ المَيْدانْ([16])
يهتِفُ بالنادِلِ: إملأها،
فإنّ الكَوْنَ مِثْلي ثمِلْ نشوانْ
يخرُج في الفجرِ وقدْ بعثَرهُ السكْرُ،
يغنّى طرَباً:
كمِ اقتربْنا مِنْ هوى بغدادْ!
كمِ اقتربْنا مِنْ هوى بغدادْ!
ما عرَفَ الدنيا، ولا ذاقَ الهوى،
مَنْ لمْ يَزُرْ بغدادْ




([1]) هو الشاعر، ابن الرومي، أبو الحسن علي بن العباس بن جُريـج.
([2]) العبارات المقوسة في القصيدة هي تضمين.

([3]) جواد: جواد سليم، الفنان العراقي مصمم نُصب التحرير.

([4]) قصائد عارية: أول ديوان شعري للشاعر حسين مردان، أثار ضجة كبيرة وحوكم بسببه.

([5]) نخل السماوة: أغنية عراقية شائعة.

([6]) ساعة القشلة: من أقدم الساعات في بغداد، شيدت في عام 1868م، وما تزال قائمة على نهر دجلة.

([7]) البرحي: من أجود أصناف النخيل في العراق.

([8]) اسم امرأة، أحد رموز السياب الشعرية.

([9]) إقبال: زوجة السياب ورفيقة طريقه.

([10]) عائشة: أشهر الرموز الشعرية عند البياتي.

([11]) باب الشيخ: محلة عريقة في بغداد قضى فيها البياتي طفولته وشبابه، وهي تحيط بمرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني.

([12]) الطاقية: غطاء الرأس الشهير الذي كان يعتمره الشاعر.

([13]) جعفر: شقيق الشاعر، استشهد في انتفاضة ضد الإنجليز، عام 1948م.

([14]) في أشهر شارع في بغداد، وهو شارع الرشيد، يوجد تمثال للرصافي، وهو واقف باتجاه النهر وقد وضع يده في جيبه.

([15]) الشاعر عبد الأمير الحصيري.

(([16])) إحدى ساحات بغداد الشهيرة.
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
أجود مجبلالعراق☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث236