تاريخ الاضافة
الجمعة، 8 يناير 2016 12:41:04 ص بواسطة حمد الحجري
0 503
راهـــب الحقــــل
راهِبٌ خطَّ في القُرى محرابَهْ
بين شطِّ الغَدير واللَّبْلابَهْ
عاش للحَقْل، والنبات؛ فكانا
دينَه في حياته، وكتابه
عرف الله فطْرَةً لا اكتسابًا
فرَجا عفوه، وخاف عقابه!
ما احتواه في الله شكٌّ، ولا طُو
لُ التَحَرِّي عنه أثَار ارتْيَابه
حَسْبُه أنَّ كل شيءٍ بهذا الْـ
ـكون يُومِي إليه بالسَّبَّابة
عرف الله في الطبيعة: عطفًا
وحنَانًا، وقوَّة غلاَّبة
مِنْ قُواها استمدَّ قُوَّةَ زَنْدَيـ
ـه، ومن شَمْسِها استعار خِضَابه
رُبَّ طبع من الغدير اسْتقاهُ
فَهْوَ ينسابُ في الحياة انسيابه
مَنَحَ الأرضَ -لا المِلاحَ- هواهُ
فَهْوَ صبٌّ بها؛ عميقُ الصَّبابة
كادحٌ في شبابه؛ ما قضى في
مَسْرح اللَّهْو والمِرَاح شبابه
وإذا شاب، لم يزل عودُه كالنَّـ
ـبْع فيهِ بقيَّةٌ من صَلابة
يلبَسُ الشيْبَ هالةً من وَقَار
لا الضنا شانَهُ، ولا النقص شابه
لم يزيِّنْ ثِيابَه النقشُ؛ لكن
زيَّن الطهرُ والعفافُ ثيابه
زُرْقَة اللونِ في العيونِ، وأُخْرى
في السموات زانتا جلبابه
وإذا خاف من حساب عسير
ذو ثراء، فما أخفَّ حسابه!
يحسُدُ القصرُ كوخَه! رُبَّ كُوخ
هو للأمن والسلام مثابة
أيْن عشٌ رفَّ النعيمُ عليه
من قصور رَانَتْ عليها الكآبة؟
القَمَارِيُّ حوله والسواقي
تلك عود، وهذه شبَّابه
لم يؤرِّقْه في مَناط الثُّرَيَّا
مطلب راح يرتقي أسبابه
مُكْتَفَ من طعامه بِكَفَافِ
قانعٌ من شرابِهِ بِصُبَابة
رَضيَتْ نفسُه، فعاش سعيدًا
ولقد يُسْعِدُ الرضا أصحابَه
في سُكون القُرى ينامُ، ويصحو
ما له والمدائن الصخَّابة؟
أنا منْ ضاق بالحَوَاضر ذَرْعًا
وأواها؛ فحطَّمَتْ أعصابه!
كم لها -كالمِلاَح والرَّاح- صرعى
خدعتهم أضواؤها الخلاَّبة
حسب هذا الأُمِّي أرضٌ بَرَاح
هو في لوْحها يجيد الكتابة
خاملٌ مَن يراه غيرَ نبيه
وجهولٌ مَنْ بالجهالة عابه
هو لا يرتقي المنابر؛ لكنْ
فأسُه في الثَّرى تُجيدُ الخطابة
لو تَرى ما يَخْطُّ محْراثُه في
أرضه، قلتَ: آيةٌ في النَّجَابة
إنَّ للكون مَعَهدًا لم يُثَقِّف
بِدَوَاة ومرْقَم طُلاَّبَه
لم يُسَجِّل علومَه في كتاب
أو يُدَوِّنْ في مُعْجَمٍ آدابه
وبه تُشْغَف السوائم حبًّا
ويراها دُونَ الورى أحبابه
ربطتْهُ بكل ذَاتِ ثُغَاء
أو خُوَار مودَّةٌ، بل قرَابة
رفقةٌ يأمن الصديقُ أذاها
لا بدسَّاسة ولا كذَّابة
كم سَقَتْه من الحليب زبيبًا
أبيض اللون، لا يضيع صوابه
كم صديقٍ من وَجهه يقطر البشْـ
ـر، ولا يأمَنُ الصَّديقُ غيابه
وَمِنَ الناطقين من هُوَ أضْرَى
من أفاعي وكْرٍ، ومن أُسْدِ غابة
ما لهذا المَلاَكِ أمسى وأضحى
وَهْو نهْبٌ، مُقَّسَّمٌ لِعَصَابة
صرفوا الراهِبَ البتول عن اللـ
ـه، وصَارُوا مِنْ دُونه أربابه
أَمنَ العدلِ أن يعيش أسيرَ الـ
ـحقْل، قَدْ شَابَ بالدماء ترابه
وَهْو من أخرجَ النُّضَار من الأر
ض، وصَفَّى من التُّراب لُبابه؟!
كم جني القَمحَ عَسْجَدًا، وجني القُطْ
ـنَ لُجَيْنًا، وبات يَلْعَق صابه!
يطرُقُ الخَيْرُ كلَّ باب، إذا ما
أَثمرتْ أرضُه، ويَتْرُكُ بابه
ولمولاه يعصر الكرم خمرًا
ثم يسقيه لاَثِمًا أعتابه
رُبَّ أيْدٍ تخاف فاهُ، إذا ما
رام تَقْبِيلَها، وتَخْشى لُعَابه
رب دُرٍّ في مفرق كان يومًا
قَطَرَاتٍ من الجبين مُذَابة
ودماءٍ تحوَّلَتْ في صحَاف
وَجَبَاتٍ شهيةً مستطابة
عَبَرُوه جِسْرًا إلى المجد؛ حتَّى
بلغوا فوق مَنْكَبَيْه الذُّؤابة
بِاسْمِه يَظْفَرون بالمال والجَا
هِ ويَقْضِي كلُّ امرئ آرابه
وَهْوَ شاكٍ من الطَّوى، لاصِقٌ بالـ
أرض، يَجتَرُّ حلقُه أوصَابه!
يُسْلَبُ القوتَ، ثم يؤمرُ أن يَنْـ
ـعَتَ بالجود والنَّدى سحابه
أو تعالى صراخُه، فكما طنَّ
بدَوْح الهجير صوتُ ذُبابه
بَسَطَ الراهبُ البتولُ يديه
بعث اللهُ من يَرُدَّ اغْتِرابه
فإذا ثورة على الظلم تَبْرى
رأسه، ثم تقتفي أذنابَه
وإذا الراهبُ الذي نَسِيَ الشَّدْ
وَ، منَ الشَّجو يستَرِدُّ ربابة
مستعيدًا إيمانَه بعد شك
في السموات كاد أن ينتابه
ملْءُ محرابهِ: صلاةٌ، ونُسْكٌ
في وَقَار يحفُّهُ، ومَهَابة
راكعٌ، قائمٌ، على الأرض جاث
فوقها في تَبَتُّل وإِنَابة
صلواتٌ تُحَوِّلُ التُّرْبَ تبْرًا
أجزل اللهُ للمُصلِّى ثوابه
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود غنيممصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث503