تاريخ الاضافةتاريخ التعديل
الجمعة، 8 يناير 2016 12:44:01 ص بواسطة حمد الحجريالجمعة، 8 يناير 2016 12:44:46 ص
0 458
معجـــزة الســــد
هاتِ، يا شعرُ، سِحْرَ هاروتَ هات!
صنعَ السدَّ صانعُ المعجزات
والسد مِنْ صنع بابل إلا
وَحْيُ شعر من عندِ هاروتَ آت
كم رأى الناسُ من جمال فعَالا
كُلُّهَا من خوارق العادات
بَطَلٌ كلُّ مستحيل لديه
يتراءى في حَيِّز الممكنات
هُوَ لَمْ يعترفْ بلفظِ «محال»
فَمَحَاهُ مِنْ معجم الكلمات
لا تقولوا: عجائبُ الأرض سبعٌ
فَهْي -مِنْ بعد السَّدِّ- سبعُ هنات
الصخورُ الصَّمَّاء كيف استحالت
خلفَ أسوانَ أَلْسُنًا ناطقات؟
مُفْصِحَاتٌ عن مجد مصر قديمًا
وحديثًا بِمُحْكَم الآيات
بين سدٍّ على العُبَاب مُقَام
وقُصُور في جوفهِ غارقات
قل لمن شيَّدوا الهياكلَ في مصـ
ـر، وأَرْسَوْا أهرامَها الشامخات:
قد بَنَيْتُم بأَذْرُع كادحَات
وَبَنَينَا للأذرع الكادحات
وبنيتم لِلْمَوْتِ أنتم، وَلَسْنَا
نـحن نبني للموت، بَلْ للحياة
ليس من يَبْتَنِي ليَحْفَظَ رُوحًا
مثلَ من يَبْتَنِي لحفظ رُفَات
أيها السدُّ، ما عَهِدْناك إِلاَّ
مَصْدَرَ اليُمْن، مصدرَ البركات
نـحن -من قبل أن نَخُطَّك في الأر
ض- جَنَيْنَا تأميمَ ماء القناة
منعوا دَرَّهم؛ فقلنا: رويدا
نـحن نَغنَى بالاكتفاء الذَّاتي
أجمعوا أمْرَهُم، وجاءوا بليْل
فَرَمَى الله جمعَهم بالشَّتات
وظفرنا بدولتين، وأُخرى
هِيَ في الأرض سُبَّة الدُّولات
ما بنينا سدًّا؛ ولكن بَنَيْنَا
مجدَ مصرٍ، ونـحن خيرُ البناة
وفتحْنا بهِ لمصرَ كِتابًا
خالدَ الذِّكرِ مشرقَ الصَّفَحَات
وَمَحوْنَا عن مصرَ وَصْمَةَ عار
بَرئَتْ أرضُها من الوَصَمَات
نـحن لو لم نَجِدْ لعَمْرِي صخورًا
لابْتَنَيْنَا الخَزَّان بالهامات
وحفرنا أنْفَاقَهُ بالبنان الـ
رَّخْص، أو بالأَظافر الناعمات
وجعلنا ملاطهُ من دِمَاء
غاليات، على الحِمَى طاهرات
وبَذَلْنا عن طيبِ نفس له الما
لَ، وعشْنَا عَيْشَ الجِيَاع العُرَاة
فَلقَ اليَمَّ ناصرٌ بعصاه
وعصاهُ ليْسَتُ من الحَيَّات
بَلْ عصا ناصرٍ تَدبُّ على الأر
ض؛ ريَاضًا خضراءَ، مُعْشَوْشِبَات
وعصا ناصر تَفُلُّ صواريـ
ـخ الأعادي، وبِيضَها المرهفات
أنتِ يا مصرُ من قديم اللَّيالي
كعبةُ السائحين والسائحات
أوَ لم يُهْرَعُوا إليك وُفُودا
ليزوروا آثارَك الخالدات؟
قُلْ لمن قَدَّسوا فراعينَ مصر:
هَلْ رأَيْتُمْ آثارَها المحدَثات؟
أيها القوم، طوِّفوا حَوْل مصر الـ
ـيومَ، في زيِّ مُحْرِمين حُفَاة
وَقفُوا خلفَ سَدِّها في خشوعٍ
وقفة المسلمين في عَرفات
هاهنا الفنُّ قام يَرْوي حديث الْـ
ـمَجْدِ عنا، والفنُّ خيرُ الرواة
هاهنا معبدُ الفنون لمن را
مَ صلاةً، فكَبِّروا للصَّلاة
أيها النيل، كم شَقَقَتْ طَرِيقًا
في جبال، ومهيعا في فلاة
كم نسفت النُّجُودَ نجدًا، فنجدًا
وفريت الصفاة بعد الصَّفاة
ماؤك العَذْبُ كان في الصخر أمضى
من شِفَار الفئوس في اللَّبنات
تطأ الصخر في أناة ورفق
فإذا الصخرُ حفنةٌ من فُتات
ما لأمْوَاهك العَواتي استكانت
في خشوعٍ خلف الصخورِ العواتي؟
وقَفتْ خلف سَدِّ أسوانَ حَيْرَى
عاجزاتٍ، مشْلولةَ الحَرَكات
لم تزل تقهرُ الطبيعة، حتَّى
قَهَرَتْها أيدي البُنَاة الكُمَاة
أيها النيل -صانك الله- عُذْرًا
إن تَضَعْ في طريقك العقبات
ما أرانا إلا أسَرْنَاك أسرًا
بقيودٍ مشدودةِ الحلَقات
نـحن لو نستطيع صُنَّاك في الآ
مَاقِ، بين الجُفُونِ والحَدَقَات
نـحن من غَيرةٍ بنينا سُجُونًا
من خُدُود للخُرَّدِ الفاتنات
القواريرُ تُحفظ الراح فيها
وتُصَان العطور في الآنيات
حَسْبُك اليوم أنَّ ماءك حُرٌ
من قيودِ المستعمرين الطُّغاة
تعس البحرُ، وهْوَ ملْحٌ أجاجٌ
كيف يَحْظَى بوصلِ عَذْب فرات؟!
في سبيل الشيطان ما نال منك الـ
بحرُ سُحْتًا، في الأعْصُر الخاليات
ما قَذَفْنَا في البحر ماءك عذبًا
بل قذفنا في البحر بالأقوات
وسَقَيْنَا الحيتان عذبًا نميرًا
وَحَرَمْنا منه جذورَ النبات
مصر أُم الفنون من سالف الدَّهْـ
ـر، أَرُوني كمصرَ في الأُمَّهَات
ما بنت سدها بصخر ومرو
بل بنَتْهُ بصادقِ العَزَمات
بِجُهُودٍ تُحوِّل التُّرْبَ تبْرًا
وتَبُثُّ الحياة في الفَلَوات
وتشيع الرَّخاء في كلِّ واد
وتَصُبُّ الغِنَى بكلِّ الجهات
نَسْلُنا من أكبادنا فَلذاتٌ
نـحن نبْنِي لهذه الفلذات
نـحن نبني لنا ثَرَاءً وَمَجْدًا
ولأَجيالٍ، بعدنا قادمات
أَسْعِفُوا هذه الفيافيَ بالما
ءِ، وَرَوُّوا أكبادَها الظامئات
إنَّ في باطن الصحاري كنوزًا
فاكشفوا عن كنوزها الخافيات
ثرْوَةُ الشعب مجده إن أراد الـ
مَجْدَ، والأَرضُ مصدرُ الثروات
ما كريمُ الأَحْجَار درٌّ يتيمٌ
لاَحَ فوق النُّحورِ واللَّبَّات
بَلْ كريمُ الأحجار ما ادَّخَرَ الما
ءَ؛ لإِحْيَاء كلِّ أرض مَوات
حجَرُ السَّدِّ زينة الوطن المحـ
ـبوبِ، والدُّرُّ حليةُ الغانيات
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود غنيممصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث458