تاريخ الاضافة
الجمعة، 8 يناير 2016 11:11:02 م بواسطة حمد الحجري
0 455
مــن وحــي المؤتمـــر
مَنْ هؤلاء بدار الندوة اجتمعوا؟
الدهر ينظرُ، والتاريخُ يستمعُ
سادات يعرب قد حطُّوا رحالهمو
في دراهمْ، وإلى أوطانهم نزعوا
كل البلاد بلاد العُرْبِ أبرجُهم
في أيها نزلت أجْرَامُهم، سَطَعوا
إن لم تسَعْهم بوادي النيل أرْبُعُهُ
ففي الصدور، وفَوْقَ الهام مُتَّسع
يا سادةَ العُرْب، حيَّا الله مَقْدَمَكم
وباركت يومَه الآحادُ والجمع!
الأمرُ جدُّ، ونعم الناهضون به
أنتم، ومَنْ غيركم بالأمر يضطلع؟
إن كان للخصم أقوامٌ تشايعهُ
فالحقُّ، والملأُ الأعلى لكم شِيَع
إن الذين سكتنا عن مَظَالمهم
لمَّا سكتنا عليهم حقبة؛ ضَبَعوا
لقد مَدَدْنا لهم حبلَ الرجاء، ولوْ
لم: نمْدد الحبل، في أوكارهم قبعوا
تصَّرف القوم في الأردُنِّ حين غدا
لهم: مَصيفٌ بشطَّيْه، ومُرْتَبَع
إِن يُطْلقوا يدَهم في نهركم، طمعوا
من بعدُ في غيره، واستحكم الطمع
مَنَّوْا بملك سليمانٍ نفو سَهُمُو
ولو تحقَّق هذا الحُلْم ما قنعوا
لو يشربون دماءَ العُرْبِ، ما نَهِلوا
أو يأكلون لحومَ العُرُبِ، ما شَبِعوا
بالله، هل نَسِي الأشرارُ أنهُمُو
يومَ القناة على أقفائهم صُفعُوا
إذْ أقبلت دول العدوان زاحفةً
زحف الأفاعي، وهم في ذَيلها تَبع
جاء الثلاثةُ، والشيطان رابعُهم
يحدوهُمُو حادِيَانِ: الحقدُ، والجشع
وغرَّهم من سبيل الغدرِ ما سلكوا
وسرَّهم من جنود البغي ما جمَعوا
حتى وقفنا لهم صفًّا؛ فما كسبوا
شيئًا، ولكنَّهم بالخزي قَدْ رجعوا
شادوا من الوَهْم آمالا، فحين بَدَتْ
شمسُ الحقيقة في آمالهم؛ فجعوا
إن الضبابَ الذي غَشَّي مرابعَنا
من خَمسَ عَشْرةَ كاد اليوم ينقشع
هم حرَّكوا فتنة كنَّا نتُوق إلى
يَدٍ تحرِّكها، والخيرُ ما صنعوا
مؤَجِّجُ النار تَصْلاها جوارحُه
وحافرُ البشر في أعماقها يَقع
فَلْينقلب سائلُ الأردنَّ ألسنةً
من اللهيب على شطَّيْه تندلع
وما لهم ومياه النهر في بلد
لا النهرُ يعرفهم فيها، ولا التُّرع؟
الأرض تلعَنُهم من تحت أرجلهم
والأُفْقُ ينظر شَزْرا؛ كلمَّا طلعوا
والشمس تطلع فيهم، وَهْي كاسفةٌ
والنجم يبْدو عليهم، وَهْو مُمْتَقع
مَنْ هؤَلاء؟ وما تلك الوجوه؟ ومِنْ
أيِّ الخلائق هذا المنظر البَشِع؟
من أي وَكْر ببطن الأرض قد زَحَفُوا
من أيِّ مستنقع في جوفها نَبَعُوا؟
سبحان من زيَّن الدنيا وشَوَّهَهُمْ!
إن الخليقة ثَوْبٌ هُمْ به رُقع
قد أضحك الكونَ: أن الذئب جار على
سبْع الفَلاَة، ولم يَفْتكْ به السَّبُع
وأن أجبنَ مَنْ فوق التراب على
أُسْدِ الشَّرَى منْ بني عدنان قد شجعوا
وأن شذَّاذَ أهلِ الأرض قد نزلوا
جنات عدن، وفي أفْيَائها رتعوا
مَنْ قال: إن الشَّرَى -والليثُ داخلهُ-
للابقين وللشُّرَّاد منتجع؟
لا تمنعُ الظلمَ أقوالٌ مُنَمَّقَةٌ
الظلم بالنار والفُولاَذ يمتنع
وبالوقوف أمام الخَطْبِ محتدمًا
صَفَا قلوبُ المنايا منه تَنْخلع
حتى كأنَّ قلوبَ العْرْب قاطِبَةً
قلبٌ، وأضلاعها من حوله ضِلَع
لا يحسب القومُ أن الخُلف بينكُمُو
في الرأي معناه أن الشَّمْلَ مُنْصَدع
بالضاد وثَّقَ ربُّ العرش أُلْفتَنا
هيهاتَ هيهاتَ حبلُ الله ينقطع!
لن تردعُوهم بغير السيف منصلتا
إن اللئيم بحدِّ السيف يرتدع
وكيف نردع شعبًا مالهُ خُلُقٌ
يصد عن منكر، أو شرعة تزع؟
المالُ عندهم دِينٌ يُدَان به
هو التُّقَى، وهُو الإيمان والوَرَع
يكادُ يسجد للشيطان سَاجِدُهم
في القُدْسِ، إن كان بالشيطان ينتفع
دُقُّوا طبول الوَغَى؛ فالكل مُلْتَئمٌ
شَاكي السِّلاح، ليوم الزحف مُدَّرع
العُرْبُ أجمع قُوَّاتٌ معبَّأَةٌ
إن قلتم: اندفِعُوا للغارة، اندَفَعوا
أبناءُ يعربَ حبُّ الحرب في دمهمْ
على الحفيظة والإقدام قد طُبُعوا
من كل أرْوَعَ يلقى الموتَ مبتسمًا
في ساحة الرَّوْع: لا خوفٌ، ولا فزع
الرُّوحُ يُسْلمُها طوعًا؛ كأَنَّ له
في الحربُ روحًا سواها حين تنتزع
إِن يفعلوا، فتراثٌ عن أوائلهم
سارُوا على هديهم فيه، وما ابتدعوا
ليست إلا العَرَب الأمجاد نسْبَتُنَا
إن نـحن لم نخترع في المجد ما اخترعوا
هُمُو أوائلُ سنُّوا المكرُمات لنا
لله والمجد ما سَنُّوا، وما شَرَعُوا!
وللعلوم من الأسفار ما كتبوا
وللفنون من البنيان ما رفعوا
شادوا الحضارة بُنْيَانًا على أسس
والدهر في المهد: لا كَهْلٌ، ولا جذَع
إن قيلَ: سلمُ، فهم في السلم قد نَبَغوا
أو قيل: حربٌ، فهم في الحرب قد بَرَعوا
يا سادة العُرْبِ، أمْرُ العرب في يدكم:
إن تنطقوا سَمِعوا، أو تأمروا صَدَعوا
ادعوا تُلَبِّ فتاةُ الحيِّ دعوتكم
قبل الفتى، ويلبِّ الشيخُ واليفع
إن تُقْدموا فبنو الإقدام نـحن، وإن
قلتم سلامًا فبالإكراه نقتنع
اللاجئون لهم، يا قوم، مَظْلمَةٌ
قد خَطَّها قلمان: الحُزن، والجزَع
كأنَّنِي بهمُو إذ هان أمرُهُمُو
ودُّوا لَوَ انَّهُمُوا قبل الهوان نُعُوا
سِيمُوا الخضوع؛ فعافُوه، وكيف بهِ
وهم لغير جَنَاب الله ما خضعوا؟
تملَّكت عصبةُ الأشرار ما رفعوا
من البِنَي، وجنتْ في الأرض ما زرعوا
لهم على الأرض أكبادُ تذوب أسًى
غيرَ الهَوَان، وغير البؤس ما رضعوا!
تحت القِبَاب -قباب العزِّ- قد نَشأُوا
لكنَّهم في خيام الذُّلِّ قد وُضعوا
عاشوا على فضلات المحسنين بها
السُّمُّ ما أكلوا، والمرُّ ما جَرَعوا!
اللاِجئون بظهر الضاد قاطبة
جُرْحٌ عميقٌ، وهم في قلبها وجع!
وكيف يَجْفو لذيذُ النوم أعينَهمِ
وفي المضاجع إخوان لهم هجعوا؟
بالله، لا تقبلوا فيهم مُساومِةً
مع الخصوم؛ فما أعراضُنَا سِلَع
الشرق يرقب ما يُمْلِيه جَمْعُكُمُو
والغرب ينظر ما يأتي وما يدع
وروُحُ كلِّ شهيدٍ في الجِنَان على
قراركم من وراء الغيب تَطَّلع
الساجدون لكم يدعُون إن سجدوا
والراكعون لكم يدعون إن ركعوا
حتى المساجد كادت -وَهْي من حجرٍ-
مع المصلين تدعو الله، والبِيَع
نشرت في مجلة الرسالة العدد: 1045، بتاريخ 23 من يناير سنة 1964م.
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود غنيممصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث455