تاريخ الاضافة
الجمعة، 8 يناير 2016 11:45:43 م بواسطة حمد الحجري
0 628
رويـــدك يا جمـــال!
نهضتَ بما تَنُوءُ به الجبالُ
فكيف يطول عمرُك يا جمال؟
رويدك، يا جمال، فأنت تشكو
وللجسد الذي يشكو احتمال
فتًى لم يستكنْ للداء لَمَّا
غزاه، كأن غزوته احتلال
أيحسب أن داء القلب خصمٌ
وأن الحرب بينهما سِجَال؟
وما أخْنى عليه الداء لكن
شجاعتُه هي الداء العُضال
صريعَ القلب، ما خَلَّفْت قلبًا
يصدر لم يُخَامِرْهُ اعتلال
أيشكو قلبُك الخفَّاقُ ضِيقًا
وقلبك لا يحيط به خَيَال؟
وفيه لكل محزون مكانٌ
وفيه لكل مكروب مجال؟
أيسكت، والقلوب لها وَجِيبٌ
وييبَس، والرياض لها اخضلال؟
أيسكن والكواكب دائراتٌ
كأنَّ الكون ليس به اختلال؟
أيُعْوِزُهُ دم، ولنا عروقٌ
جرت فيها دماء لاَ تُكَال؟
علا تشدُّ رحلك يا جمال؟
رويدَك! لم يَحِنْ لك الارتحال
رسالتُك التي أنفَقْتَ فيها
حَيَاتَك، ما أُتِيح لها الكَمَال
لكم عَلَّمتنا صبرًا جميلاً
وأين الصبر بعدك والجمال؟
وما نَعْصِي نصائحَك الغَوَالي
ولكن كيف يمكن الامتثال؟
مصابُك لا تخفِّفُه دموعٌ
ومجدك لا يصوِّرهُ مَقَال
سَمَوْتَ إلى السُّهَا حيًّا، وَمَيْتًا
وموتك ليلةَ الإسْرَاء فَالُ
كأني بالتراب عليك يبكي
ويصرُخُ فوق قبرك إذ يُهَال
جرى النيلُ الحزين عليك دمعًا
وسال دمًا على البطل «القنال»
صخور السد بعدك ناطقاتٌ:
بأنْ لا شَيءَ في الدنيا محال
بحيرةُ ناصرٍ ماذا دَهَاهَا؟
دموع تلك أو ماء زلال؟
قبضتَ على أزِمَّتها بكفٍّ
كأن بنانَها قُضُبٌ صقال
ويختلف الرجال كما أرادوا
فإن أومأت أنت، فلا جدال
وتعلم أنَّ عرش الحكم سُهْدٌ
وجهد، لا دلالٌ واختيال
وأنَّ مَن استقر عليه، تُلْقَى
على كتفيه أعباء ثِقَال
فلم يغمض له في الليل جَفْنٌ
ولم يهدأ له في الصحو بال
إذا كانت عروسَ الشرق مصرٌ
فأنت بخدِّها الوَرْدِيِّ خال
صَمَتَّ، وكم خطابٍ منك دَوَّى
بأسماع الورى وَهْو ارتجال!
إذا أطلقْته أصغى جَنُوبٌ
إليه، وأرهف الأُذنَ الشَّمَال
وشر الصَّمت صَمْتٌ مِنْ بَلِيغٍ
له في المحفل الخُطبُ الطوال
حديث لا تكلُّفَ فيه، باد
ولا بادٍ عليه الافْتِعَال
إذا أَلقيته وسَط احتفال
تكهْرَب أو تمغطسَ الاحتفال
تزيِّنُهُ حقائقُ سافراتٌ
سفورَ الغِيد تبرزها الحجال
وما لغة السياسةِ غيرُ زيْفٍ
وما مدلولها إلاَّ ضلاَل
وخير القول ما أملاه طبْعٌ
وأصدقُه هو السِّحْرُ الحلال
عهدتك تبتني للخُلْقِ رُكْنًا
بعصر ساد فيه الانـحلال
تريد لهذه الدنيا سلامًا
تآخى اللَّيْثُ فيه والغزال
وعهدًا من رخاءٍ؛ لا فقيرٌ
يمد يديه فيه، ولا سؤال
فما في الناس من بَشم عَلِيلٍ
ولا طاوٍ أضَرَّ به الهُزَال
ولا شعبٌ تحكَّم في سواه
ولا عانٍ برجليه شِكال
تريد العيش تسويةً وتَأبَى
إرادتُك الطبائع والخصال
وكيف يسودُ في الدنيا سلامٌ
إذا لم يَحْم حَوْزَتَه القِتَال؟
وقالوا: عاش في دنياه فذًّا
فقلت: ومات موتًا لا يُنَال
وشُيِّعَ نعشُه في مِهْرَجَان
تحفُّ به المَهابةُ والجلال
وماج الناس حولَ النعشِ مَوْجًا
كأن الحزن ذَؤَبهُمْ؛ فسالوا!
مشينًا، لا نصدِّقُ ما نراه
وكيف نَرَى وللدَّمْعِ انهمال؟
نُكذب مَوْته، ونشكُّ فيه
ولا شكُّ، هناك ولا احتمال
فَلَمَّا طاشت الآمال قلنا
-على مضض-: إلى الله المآل
ومالوا بالرَّئِيس ليدفنوه
فهل مال المقطم حين مالوا؟
وما سالت دموعُ العين إلا
لتطفئ مهجةً فيها اشتعال
وبعض الدمع ذوبُ القلب سَالتْ
عُصَارتُه، وبعض الدمع آل
نعاه الناس في شرق، وغرب
كأنهموا له صَحْبٌ، وآل
وما ورِث السيادةَ عَنْ جدودٍ
ولا شهر اسمَهُ عَمُّ وخال
فقل لمُفَاخر بأبيه: هل من
أب للشمس؟ وابنُ مَن الهلال؟
إذا فخر العصامِيُّون يومًا
بأنفسهم، فأَتْتَ له مثال
تعالى الله! إن الموت حق
وما للطبِّ في الموت احتيال!
وكم مُتَدَثِّر صُوفًا وقطنًا
حِذَار البرد أدركه السُّلاَل!
وكم عينٍ مُكَحَّلَةً بسحر
لها في القبر بالترب اكتحال!
ألا ليت العظيمَ يَظَلُّ حيًّا
ولا يعرُوه شَيْبٌ واكتهال!
دَفَنَّاه بأيدينا، وكُنَّا
نُرَاعُ إذا أَلمَّ به سُعَال!
قضَى -كابن الوليد- على فراش
وكم أخْطَاه غَدْرٌ واغْتِيَال
فلا نام الجبانُ قريرَ عين
ولا صَلَحَتْ لوَاهي العزمِ حال
إذا حان الرَّدَى، فالماء سمُّ
كأن الماء تنفثُه صِلاَلَ
وإن كُتبتْ لمخلوق حياةٌ
تثلمت الأسنَّةُ والنِّصَال
ولا يفنى عظامُ الناس، لكن
إلى التاريخ مَؤتُهُم انتقال
حياةٌ في صدور الناس، أو في
بطون الكتب ليس لها زوال
سَلُوا رَكْبَ العروبة في البوادي
تَخُبُّ به النَّحَائب والجمَال
ببَطْن الأرض تسترهُ وهادٌ
وفوق الأرض تُظْهِرُه تلال
سَلُوه: عَلاَمَ ينتحب انتحابًا
وتنتحب الرَّوَاحلُ والرِّحال؟
لقد عصفت بحاديه السَّواقي
وغَطَّتْه الجنادلُ، والرِّمَال
وظل الجسْمُ يتبعه، ولكن
جمالٌ لم تَغبْ مَعَهُ الظلال
كأني بالفقيدِ مِنَ الأعالي
يشاركنا إذا احتدم النِّزال
وتهتف روحه: مالي تراث
أخلفه لكم إلا النِّضال
وإلا ما ورثتم من خلالي
ونِعْمَتْ ثروةً تلك الخِلال
جنودَ العُرْبِ، والوُا الزحف، لَسْتُمْ
كتائبَ ناصر إن لم توالوا
وإن تُمْددْ أعاديَكم بجند
أبالسةُ الجحيم، فلا تبالوا
وغالوا بالنفوس، فإن ينلها
من الأهل الهوان، فلا تغالوا
وحرب الأهل -ما دارت رحاها-
مَغبَّتُها على كل وَبَال
أفي حرب المصير مع الأعادِي
يَدبُّ إلى صفوفكم انفصال؟
أليس لكم بِمَنْ غَصَبُوا حماكم
عن الشحناء بينكم اشتغال؟
دماءُ الأهل في الأُرْدُنِّ سالَتْ
وقُطِّعَت الوشَائجُ والحبَال
وصال به الجنودُ أسودَ غَابٍ
فليتهمو على الأعْداء صالوا!
إذا انتصر الشقيقُ على شقيقٍ
فَيُمْناه أصابَتْها الشِّمَال
لعمرك، ما العروبةُ مَحْضُ فَخْرٍ
بأسلاف لنا كانوا، وَدَالُوا
ولكنَّ العروبةَ صدقُ عَزْمٍ
ومبذولان: أرْوَاحٌ، ومال
وإحْيَاءٌ لأمْجَادِ الأوَالى
وأقوال تُعَزِّزُها فعَال
وأفئدة رَسَا الإيمان فيها
لها بالله في المحَن اتصال
إذا أنتمُ إلى العرب انْتَمَيْتُمْ
فما تكفي العَبَاءَةُ والعِقَال
جُنُودَ العرب، ناداكم جمالٌ
وصاح بكل مِئْذَنَة بلال:
عِدَاكم مالهم أبدًا عُهُودٌ
وهل للرقص في المشي اعتدال؟
عهدناكم إلى الجُلَّي عِجَالاً
وعند الفيْءِ ما أنتم عجال
سليلُ العُرْب عند الحَرْب ثَبْتٌ
له وجهٌ وليس له قَذَال
لئن تَكُ في حَزِيرَانَ جَمَالاً
فما عقمت، ولا قَلَّ الرجال
جمالٌ غاب، والعدوان بَاقٍ
وجرح القُدس دَام لا يزال!
وتندمل الجراحُ مع الليالي
وجرح القدْسِ ليس له اندمَال!
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود غنيممصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث628