تاريخ الاضافة
الجمعة، 8 يناير 2016 11:49:57 م بواسطة حمد الحجري
0 350
فيلسوف الشرق
جزع الشرق، وأجرى أدْمُعَهْ!
ليت شعري: أيُّ خطب رَوَّعه؟
لا تلوموه على تَذْرافها
فيلسوف الشرق خَلَّى موضعه
شيَّع الفجرَ لعمري باسمًا
والضحى في رأده من شَيَّعَه؟
كفِّنوا العقادَ في أسفاره
وادفنوا المِرْقَم والطِّرْس معه
لست أدري: أشهابًا كان، أَمْ
عَيْلَمَا، أم راهِبًا في صومعة؟
عالم، بل عالَمٌ في رجل
ليت شعري: أيُّ قبر وسعه؟
سائلوا العلَّة: هل أوْدَتْ به
رغم سبعين وخمس مسرعه؟
لا تقيسُوا بالليالي عمرَهُ
بل سلوا: في أي شيء قطعه؟
لم يَسَلْهُ سائلٌ عن معضل
حَيَّر الأَفهام إلاَّ أقنعه
مَاله اليومَ طويلاً صمتُه؟
أي شيء عن جوابي منعه؟
صرَعَ الموتُ فتًى لم يستطع
خصمُه في حَلْبَة أن يصرعه
لستَ تدري: أهو يَحْشُو طرْسه
أحْرفًا، أم هو يحثو مدْفعه؟
وسلاحاه: يَرَاعٌ مُرْهَفٌ
ودليلٌ بَيِّنٌ، ما أنصعه!
ذو يراع حين يأسو علَّةً
يزدري كلُّ طبيبٍ مبضعه
دولة الألفاظ في خدْمَته
إنْ دعا اللفظةَ، جاءت طيِّعَه
نافذُ الطعنة، إن شاكَ به
أضْلُعَ الجبَّارِ، تقْصِفْ أضلعه
إن يسلطه على نجْم هَوَى
أو على أركان طوْد صَدَّعه
رُبَّ حقٍّ صانه، أو بَائِس
ذاد عنه، أو سَفيه رَدَعه
رب غِرٍّ رام منه لفْتةً
فرماهُ بالنُّعُوت المقذعة
نخلةٌ دَبَّتْ عليها نَمْلَةٌ
وَخضَمٌ فيه نَقَّتْ ضِفْدَعه
شتم الأعرجُ طوْدًا شامخًا
حينما أعجزه أن يطلعه
إن عرض الحر مرعًى مُخْصبٌ
يجد الوالغ فيه مرتعه
سائلوا ذئب الغضى في جحره:
مَنْ على الأُسْدِ الضواري شجَّعه؟
ينزل الليث إلى ليث، ولا
تجمع الليثَ بهرٍّ مَعْمَعَة
قلم العقاد سيفٌ باترٌ
لم يجردْهُ ابتغاءَ المنفعة
لم يجرعْهُ كُئوسَ الشَّهد، بَلْ
كم كئوس من زُعَاف جَرَّعَه
العصاميُّ الذي يأبى سوى
كفِّه نـحو العلا أن تدفعَه
العَيُوف النفس؛ لو ألبسه
غيرُهُ ثوبَ خُلود خلعه
يَابِسٌ، بل شَامِس؛ لم تستطع
رغبة أو رهبة أن تخضعه
لا تلوموه على أخلاقه
هكذا رَبُّ البَرَايا طَبَعَه
هكذا صوَّرهُ بارئهُ
وعلى مقلتهِ قَدْ صنعه
عاش في عصر الشفاعات؛ فما
شقَّ إلا بِيَدَيْه مهْيَعَه
وهْو كم من نَابه أخْمَلَهُ
وأديبٍ من حضيض رفعه
لا يحط الدهرُ مَنْ يرفعُه
لا، ولا يرفع قَدْرًا وضعه
يجد الأعداءُ فيه لدَدًا
والأخلاَّء صفاءً وَدَعَه
شامخُ الرأسِ إذا الرأسُ انـحنى
أبغضُ الناس إليه الإمَّعَة
ليست العزة دينًا تبعَهْ
إنما العزَّةُ دينٌ شرَّعه
وتَقَاضَتْهُ المعالي حقْبَةً
ثمنَ العزة فقرًا أدقَعه
رُبَّ يوم عضه فيه الطوى
ورداء بيديه رَقَّعَه
في زمان أَلِفَ الذُّلَّ؛ فمَنْ
رفع الهامةَ فيه، جَوَّعَه
لاَثمُ الأعتاب فيه آمرٌ
والفتى الحرُّ به ما أضْيَعَه!
حسبُه السِّجْن أواه تسعةً
وَهْو يشكو من سقام أو جعة
ونزول الماجدِ الحُرِّ به
من قديم سُنَّةٌ مُتَّبَعه
كاتِبٌ تلمح في أُسلوبه:
وجهَه، بل يدَه، بل أصبعَه
ذو بيان لم يقلِّده الحلَي
من رَأى الأُسلوب فَلاًّ، سجعه
لم يُوَشَّعْ بجُمَان قولُه
بل بفكر فيه عمقٌ وشَّعَه
رُبَّ نثرٍ بَرْقعَتْهُ زينةٌ
هو زيفٌ حين يَنْضُو بُرْقُعَه
رب نظم ما له من هدَف
ليس يدري ناظموه موقعَه
ومن الشعرِ غثيث فاترٌ
تأنفُ الآذان من أن تسمعه
ماله من أبْحُر، أو تُرَع
أو عيون. لست تدري مَنْبَعه!
لفَّفَتْه عصبةٌ ما وردت
بحرَه؛ بل وردت مُسْتنْقَعه
هل درى الشمَّاخُ في صحرائه:
أن قومًا ألبسوه قُبَّعة؟
يا دعاةَ الشعر، ماذا قلتمو؟
أنا لا أسمع إلا جعجعة!
أيها الذؤْبَان، قد حَلَّ الشرى
واستْبِيحَت حرماتُ المسبعة
فأحلُّوا الشعر من أوزانه
واقطعوا كل لسان قطعه
عبقريُّ العبقريات قضى
فهْيَ من حُزْنِ عليه جزعه!
إن بَكتْه العبقريات دَمًا
فَهْي من أوصافه منتزعه
خَالدٌ خلَّد أبطال الورى
أي معنى بهمُو قَدْ جمعه؟
ادفنوه بين دور العلم، أو
بين دور الكُتْب خُطُّوا مضجعه
طلَّقَ الدُّنيا ثلاثًا، واصطفى
من بنات الفكر حُورًا أربعه
ما بني إلا بموسوعاتها
وتبناها؛ فكانت منَعه
عاش كالنحل دَءُوبًا بينها
يَنْتَقَي من كُلِّ زَهْر أينعه
أغلبُ الظَّنِّ، لعمري، أنها
خيرُ مَنْ صاحَبَه أو ودَّعه
مات عباسٌ! وتبقى أُمَمٌ
تجتني من بعده ما زرعه
مات عباس! جزاه ربه
رحمةً عن كلِّ معنىً أبدعه!
نشرت في مجلة الرسالة في 19/3/1964م.
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود غنيممصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث350