تاريخ الاضافة
الثلاثاء، 12 يناير 2016 11:49:11 م بواسطة حمد الحجري
0 526
فجر السلام
أدْركْ بفجرك عالَمًا مكروبَا
عوَّذتُ فجرك أن يكون كذوبا
يأيها السِّلمُ المُطلُّ على الورى
طوبى لعهدك، إن تحققَّ، طوبى
ما بالُ وجهك بعد طول حجابهِ
يحكي وجوهَ العاشقين شُحوبا؟
رُحماك طال الليل واتَّصل السُّرى
حتى تساقطت النفوسُ لُغوبا
لم يَبْقَ في مجرى الدماء بقيَّةٌ
شكَتْ العروقُ من الدماء نُضُوبا
طحنت فريقيها الحروب بضرسها
لا غالبًا رحَمتْ ولا مغلوبا
لما شدا بالنصر شاديهم بدا
لحنُ السُّرور على الشفاهِ غريبا
جاءوا بيوم النصر يمخُرُ فلكهُ
سيلاً من الدَّمِ والدموع صبيبا
ملئوا الكئوسَ فَكُلَّما همُّوا بها
ذكروا بـحُمرتها الدمَ المسكوبا
فتَّشتُ بين المحتفين فلم أجد
إلا طعينًا في الصميم أصيبا
كم في غمارِ المحتفين خطيبة
باتت تناجي في التراب خطيبا
كم ثاكلٍ لم تَدْرِ أين ترى ابنِها
فتعيرَهُ من دمعها شؤبوبا
ومشوَّهِ نزوى الملاحُ وجوهَها
عنه وكان إلى الملاح حبيبا
مَن فارقَتْهُ يداه في ساح الوغى
أنى يصفِّق للسلام طروبا؟
قم سائل النيرانَ ماذا أنضجت
أسبائكًا أم أكبدًا وقلوبا؟
وسل المحيطَ الغَمْرَ كم نفْسًا به
قرَّتْ وكم كنزًا حواه رغيبًا؟
غولٌ تغول الطفلَ من يد أمه
بسُعارها والكاعبَ الرُّعبوبا
هو جاءُ تذرو الدَّوْحِ عند هبُوبها
وتُخَلَّف البُرجَ الأشمَّ كئيبا
لا يرتدي الأكفان في ساحاتها
ميتٌ نضا بُرْد الشبابِ قشيبا
أعراسُ يومِ النَّصر أين نقيمها؟
المُدْنُ صِرنَ خرائبًا ولهيبا
هيهات أن تنسى البلادُ حدادها
أو تستردَّ جمالها المسلوبا
تعدو الحضارة وهي داءٌ فاتكٌ
وتسيرُ في خَطْو الكسيح طبيبا
وهي الجراح إذا اندملْنَ فإنما
يتركْنَ في جسد الريح ندوبا
أمَمٌ بنت ركن الحضارة عاليًا
ما بالها لم تألُهُ تخريبا؟
الأوصياءُ القيِّمون على الورىْ
تركوا الورى بدمائهم مخضوبا
فَرَض القوى على الضعيف رقابة
من ذا يكون على الرقيب رقيبا؟
من للرَّعيل ومن لقادته لقد
ضلَّ الجميعُ مسالكًا ودُروبا؟
خلُّوا مقاليد الشُّعوب لأمَّةِ
عزلاءَ تقنعُ بالكفاف نصيبا
القُوتُ عنوانُ الحياة فما له
أمسى يبيد ممالكًا وشعوبا؟
دُوَلٌ يحول نحوسُها وسعودها
مثلُ الكواكب مشرقا وغروبا
يا رُبَّ جبَّارٍ يصول بجنده
أمسى بأيدي جنده مصلوبا
وطِئَ النساءُ رفاتَهُ ولربما
كان اسمُهُ عند الرجال مهيبا
ملأت محاسنُه العيونَ مظفَّرًا
حتى إذا سَقَطَ استحلْن عيوبا
يا رُبَّ غِيلٍ بعد صيحة أُسْده
قد بات يملؤه الغراب نعيبا
ومؤمِّل مُلكَ الثرى وَلى فما
أَجْرَى دموعًا أو أثار نـحيبا
لم يَلقَ قبرًا فوق أرضٍ طالما
فتحتْ له أحْضانها ترحيبا
حتام نَنْعَتُ بالبطولة فاتكًا
يحكي الوحوش ضراوة ووثوبا؟
ينقضُّ من أعلى عُقابًا كاسرًا
ويدِبّ مثل الأُفْعُوان دبيبا
لا تجعلوا سَفكَ الدماء مناقبًا
للفاتحين بل اجعلوه ذنوبا
المجد ليس لفاتكٍ ولو أنه
بذَّ النُّسورَ مخالبًا ونيوبا
والغارُ يبرأ من رءوسٍ أهلُها
ساموا الأنامَ القتلَ والتعذيبا
ما الباسلُ المغوارُ إلا مصلحٌ
ملأ الحياةَ على البرية طِيبا
يُضفي على هذا الوجودِ وجودُه
ظلاً ويكشِفُ عن بنيه خطوبا
جادتْ به الدنيا الضنينةُ عالمًا
متضلِّعًا أو شاعرًا موهوبا
أقسمتُ ما قادَ الجيوشَ كقائدٍ
حشَدَ لْجهود وكافح «المكروبا»
نزل السلاحُ عن المنابر وانبرى
صوتُ الضمائر والعقول خطيبا
ودعا الدعاةُ إلى السلام فصادفوا
من كلِّ قلب سامعًا ومجيبا
قل للكماة الظافرين: تأهَّبوا
كم للسلام مواقعًا وحروبا
والله ما كسَبَ الحروب معاشرٌ
ليس السلامُ لديهمو مكسوبا
قد عقلت آمالها بوعودكم
أممٌ ترى يومَ الخلاصِ قريبا
إنا نريد من السلام لُبابه
لا لفظه أو صكَّه المكتوبا
عذرًا إذا ما الشَّكُّ خامر معشرًا
عهِدوا السياسةِ شَمْألاً وجنوبا
سميتْ بها الأممُ المهيضُ جناحُها
رِقًّا على أعناقها مضروبا
لم تطفئ الحربَ الضروسَ نصوصُها
بل زادت الحربَ الضَّرُوسَ شُبوبا
إن تكتبوا للسِّلم عهدا فاجعلوا
دمعَ الثكالى بالمداد مشوبا
أو فانقشوا بدم الضحايا خطَّهُ
وتذكروا يومًا قضوْه عصيبا
صوغوه عدلاً للبرية شاملاً
لا مرتعًا للأقوياء خصيبا
واستشهْدُوا الرحمن فيه عليكمو
وكفى بربك شاهدًا وحسيبا
واستودِعوه مساجدًا وكنائسًا
وضعوا هلالاً فوقه وصليبا
اللهُ خَلقَ الشُّعوب سواسيًا
لا رَبَّ بينهمو ولا مربوبا
لن يستقيم لكم سلامٌ ماشكًا
شعبٌ ضعيفٌ حقَّهُ المغصوبا
لن تبلغ الشطَّ الأمينَ سفينةٌ
تركت بها أيدي البُناة ثقوبا
هذا هو الماضي وتلك عظاتُهُ
لكمو وقد تُجدي العظاتُ لبيبا
الثقافة 29 مايو سنة 1945م
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود غنيممصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث526