تاريخ الاضافة
الأربعاء، 3 فبراير 2016 12:18:42 ص بواسطة حمد الحجري
0 377
موكب الربيع
حمل النسيمُ رسالةَ الأزهارِ
وأذَاع سَّر الرَّوضِة المْعطارِ
وسرى يُداعبُ صفحةَ الأمواجِ في
سَرَيانِهِ، وذوائبَ الأشجار
ويطوفُ بالوجناتِ قُبلةَ عاشقٍ
ويِدُّب في الأوصال كأَس عُقار
حيِّ الربيع، وحيِّ عِطرَ نسيمهِ
والثَّم جبيَن الصبِح في «آذار»
صحت الطبيعةُ بعد طُول هُجوعِها
صحْو العُروسِ على صَدى«قِيثَار»
ونَضَتْ ستائرَ مخدعيها، تشتكي
من طولِ ليلٍ، واحتجاب نهار
وجلا مفاتنَها الربيعُ كأنما
هي دميةٌ عرضت على الأنظار
حتى إذا اتَّقَت العُيونَ، تلفَّعَت
من دِوحها ومُروجها بإزار
عيدُ الطبيعةِ يَحتفي وحشُ الفلا
بحلوله، والطيرُ في الأوكار
الحُسنُ فيه بكلِّ شيءٍ ماثلٌ
حتى الصُّخورِ الصُّمِّ، والأحجار
لقط الربيعُ الطَّيفَ ثم طلى به
أزهارهُ فأَخذنَ بالأبصار
واصطادَ درَّ البحر ثم أذابَه
طَلاًّ يسيلُ على فَمِ النُّوار
الطيرُ يهتفُ فيه فوقَ غُصونه
فتُجيبُ وسوسةُ النَّمير الجاري
والغُصنُ مالَ على أخيه هامسًا
همس الأحبَّةِ فيه بالأسرار
هو ناصبُ الأسلاكِ إن وصل الهوى
بين القلوب ومرسل التيار
هو للصبابةِ كلَّ عامٍ موسمٌ
هو معرضٌ للخُرَّدِ الأبكار
أوما رأيتَ البحرَ فيه كأَنَّما
لاحت تَوائمهُ بغير محار؟
الغيدُ تسبحُ أو تميسُ بشطَّه
أسراب آرامٍ بغير نفار
والرمل يكتنف بالمياه، كأنما
هي فضَّةٌ محفوفة بنُضار
رَكبُ الربيع بدت طلائعه لنا
قم، نَسرِ في ركبِ الربيع الساري
قُم، نسر فيه فراشتين بربوةٍ
يتلمَّسان مشارق الأنوار
قم، نَسرِ فيهِ بُلبُلين بأيكةٍ
يتطارحان السَّجعَ في الأسحار
دنيا الهواءِ تشوقني أرجاؤها
إن لاح لي سِربٌ من الأطيار
فأُحسُّ نفسي أفلتت من قيدها
ومضت محَلِّقَةً بريش هزار
ما أنتَ، يا طيرَ الغُصون، مطوَّقٌ
بل أنت عاهلُ دولةِ الأحرار
إني لترهفُ في الربيع مشاعري
ويَدِقُّ حسِّي دِقَّةَ الأوتار
ويُمدُّ وجداني تأَلُّقَ شمسه
بحرارةٍ تَنسَاب في أشعاري
ويزيدُ فيهِ بالجمال تَدَلُّهي
إنِّي امرؤٌ، حبُّ الجمال: شعاري
ويطيب لي معنى الحياة به، وإن
تَكْن الحياةُ كثيرةَ الأوزار
قم، يا خليلي، نسرِ في جُنح الدُّجى
الروضُ كاسٍ، والنجومُ عَوار
السُّحْبُ تحتَ النِّجم مثلُ غلائلٍ
شفَّافَةٍ فوقَ الملاحِ قِصار
بدت الكواكبُ من خِلالِ بياضها
تحكي وجوه رواهبِ الأدبار
قم، نَسرِ الرِّيف يطفحُ وجههُ
حُسنًا، وحسنُ الرِّيفِ غيرُ مُعار
فنرى حقولَ القمح تَنفَحُها الصَّبا
فتمُوجُ موجَ الماء في الأنهار
والنخلَ يحملُ في يديه مِظَلَّةً
للزَّهو، لا للقيظ والأمطار
والبَطَّ يسبَحُ شارعًا أعناقه
كزوارقٍ خضراءَ ذاتِ سَوار
والحانياتِ على الغدير حواسرًا
عن كل ذيلٍ طاهرٍ معثار
يا رُبَّ تبرٍ في التراب وجرةٍ
وُضعت على رأسٍ مكان الغار
متَّع فؤادَك بالربيع؛ فإنه
لحنُ الزمانِ، وبسمةُ الأقدار
إنَّ الربيعَ هو الحياةُ، وسرُّها
لولاه لم نـحرص على الأعمار
فازت هذه القصيدة بالجائزة الأولى، في إحدى مسابقات الإذاعة.
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود غنيممصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث377