تاريخ الاضافة
الأربعاء، 3 فبراير 2016 12:30:42 ص بواسطة حمد الحجري
0 426
في مهرجان الوليد
حين غنَّت دمشقُ شعرَ الوليدِ
قالت الطيرُ: يا دمشق، أعيدي
ردّدي، يا دمشق، لحنًا وعته
أذُنُ الدهر منذ عهدٍ عهيد
شاعرٌ أعجز الفحولَ بشعرٍ
سلسٍ، طيَّعٍ، عصي، عنيد
كانَ شيطانه مريدًا، ولكن
يتراءى للعين غير مريد
شاعرٌ، بل مصورٌ، بل مغنٍ
ما قوافيه غيرُ أوتار عود
فاعلٌ بالكلامِ ما يفعل الصا
ئغُ في حبِّ لؤلؤٍ منضود
ينسجُ الشعر من زهور الروابي
ويُنَدِّيه بابنة العنقود
ألفُ عامٍ مضت، وتمضي ألوفٌ
بعدها وهْو ملءُ سمع الوجود
إن يصفْ للعيون إيوان كسرى
لمحَتْ صخر ركنه المهدودِ
أو شدا بالربيع، يومًا شَممنا
من قوافيه ريحَ عطر الورود
وحسبنا فيها طيورًا تُغنِّي
وغُصونًا تميس مثل القدود
ورأينا الشقيق بين القوافي
أخضرَ العود في احمرارِ الخدود
هل درى البُحتري أن القوافي
سُوقها اليوم أصبحت في ركود؟
ما لنا كلما نظمنا قصيدًا
نعتونا بمُفلقٍ ومُجيد؟
نـحن لا نشتري «بأحسنتَ» زادًا
إنما الزادُ يُشتري بالنقود
أين عهدُ الرشيد يحشو فم الشا
عر بالدرِّ؟ أين عهدُ الرشيد؟
هل درى البحتريُّ أن أناسًا
بعده شوَّهوا جمال القصيد؟
قد جزينا على ارتكاب الخطايا
بأناسٍ جاءوا بشعرٍ جديد
زعموه حرًّا. ورقُّ الجواري
بعضُ أوصافه، وذلُّ العبيد
عصبةٌ تحسبُ القوافيَ غُلاًّ
وتعدُّ الأوزانَ بعضَ القيود
لهم الله. كلُّ عيّ لديهم
مظهرٌ من مظاهر التجديد!
ما أُراهم يُلقون شعرًا، ولكن
يحصبون الأسماع بالجُلمود
قلدوا كل ناعقٍ أجْنَبِيّ
ورمونا بوصمة التقليد
إن يكن طابع الأصالةِ في الشعـ
ـر جُمودًا، فمرحبًا بالجمود
روضة البحتريِّ منبتُ ريشي
وبها قد نَشأتُ، واشتدَّ عودي
وأُحبُّ القريضَ سمح المعاني
مُشرق اللفظ، شاجي الترديد
يشبهُ الراح، كما عبَّ منها
مُحتَسيها، يقولُ: هل من مزيد؟
ربَّ شعرٍ مقعدٍ هو مرآ
ةٌ لما في النفوس من تعقيد
ومن الشعر ما يند عن الذو
ق، ويُغْري بالنوم عند النشيد
أنت، يا شعرُ، سلوتي إن قسا الدهـ
ـرُ، وكادت بين الشدائد تودي
لستُ أَشكُو الزمان مادمتُّ أَلقَى
فيه ديوانَ جرولٍ، ولبيد
خيرُ ما في الحياة بيضُ معانٍ
في سطورٍ على الصحائف سود
لذة الرُّوح للأديب، وللنَّا
س سواها من المتاع الزهيد
أيها الشاعرُ، انطلق في السَّمْوا
تِ، وخلّ الأنام فوق الصَّعيد
طبقاتُ الفضاء عَزَّت على «الرُّو
سِ»، ودانت للشاعر الغِرِّيد
حلَّقت بي قوادمٌ وخوافٍ
من خيالي في كلِّ أفْقٍ بعيد
يا غُزاة الفضاء، هذا خيالي
فاسعيروه سُلَّمًا للصعود
كم أميرٍ دانت لهم أُممٌ، وهْـ
ـوَ مدينٌ لشاعرٍ بالخلود
إنَّ شعبًا لا شأنَ للشعر فيه
ليس بين الأحياء بالمعدود
هو ظلُّ الحياة، نأوي إليهِ
واحةً في صحرائها الصَّهيود
لو أفاء الورى إليه، أقاموا
ما أقاموا في ظل عيشٍ سعيد
المعاني بدونه شارداتٌ
شاكياتٌ مرارةَ التشريد
يُنقَشُ الشعر في الصدور، ويُنسَى
نثرُ عبد الحميد، وابنِ العميد
كم قواف عند الحروب استحالت
قاذفات للنار ذات الوقود
وسلاحٍ من ذرَّةٍ وسلاحٍ
من تفاعيل وافرٍ ومديد
نـحن جندُ الحمى، وإن أخطأتنا
فيهُ ألقابُ رائدٍ، وعقيد
أيها الشعرُ، ما عهدناك إلا
ساحرًا تبعثُ اللَّظى في الجليد
قل لقومي: دوَّي الأذانُ، فهبُّوا
من سُباتٍ، واستيقظوا من رقود
أين مُلكٌ بنته أيدي الأوالي
كان كالشامخ الأشمِّ الوطيد؟
لم تزل في «مدارسَ» من بقايا
وبقايا مازلن في «مدريد»؟
جيرةَ المسجد العتيق، دعوني
أقبسُ المسكَ من رفات الوليد
حدِّثوني عن ابن هندٍ، ومروا
نَ، وسيطِ الفاروقِ بين الوفود
إنَّ في كل بقعةٍ من ثراكم
صفحاتٍ تروي حديث الجدود
هاهنا مجدٌ ضائعٌ. لا تقولوا:
إنَّ ما ضاع ليس بالمردود
ابعثوها من رقدة بجهادٍ
وجهودٍ يُبذَلنَ إثرَ جهود
دولةً تنشر السلام ظِلالاً
ماؤها للجميع عذبُ الوُرود
راحةٌ تحملُ السلاحَ، وأخرى
خُلقت للبناء، والتَّشييد
ينضوي تحت ظلِّها العُرب طرًّا
ليس فيها من سيِّدٍ ومسُود
أُتخِمتَ بالتُّخوم أرضُ الأعاريـ
ـب، وغَضَّت سماؤها بالبُنود
وحِّدوها قيادةً، ولواءً
وأزيلوا ما بينها من حدود
ومن العار: فرقةٌ بين قومٍ
دينُهم قائمٌ على التوحيد
هل تريدون أن تُعيدوا عهودًا
لا رعى الله طيفها من عهود
«يوم كُنَّا، ولا تسل: كيف كنَّا»
كلُّ جيشٍ بقائد وجنود
فإِذا بالذئابِ -وهي ذئابٌ-
تنزعُ الصيدَ من حُلوق الأسود
ولوَ أنَّا خُضنا المعاركَ صفًّا
لمسخنا اليهود مسخ القرود
هل حسبتم حساب يوم عصيبٍ
يُشعلُ الشيبُ فيه رأسَ الوليد؟
خلف أعدائكم من الغرب قومٌ
همْ أُولُوا مرَّةٍ، وبأسٍ شديد
فاتقوا بأسَ هؤلاء ببأسٍ
«لا يَفلُّ الحديدَ غيرُ الحديد»
إنَّ حولَ الأُردُنِّ أرضًا تنادي:
أنا إرثٌ للعُرب، لا لليهود
لا تجُودي بقطرةٍ، يا فلَسطيـ
ـنُ، عليهم، أو نَسمةٍ لا تجودي
إن سعى منهُمْ فوق أرضك ساعٍ
فالفُظيه لفظَ النوى، أو فَمِيدي
بريء المُرسَلون منهم؛ فليسوا
من بني موسى، أو بني داودِ
هم عبيدُ النقود في كلِّ عصر
طالما أومئُوا لها بالسُّجود
جلّ وجهُ الدينار ليس لصِهيَوْ
نَ سواه من خالقٍ معبود
اِغرسُوا الحقد في القلوب عليهم
فلقد يُستَحبُّ حقد الحقود
لقنوا النشء وعد «بلفور» درسًا
وأروهم خيام كلِّ طريد
لا تُزيروهُمُ قبرَ كلِّ وليّ
وأزيروهم قبرَ كلِّ شهيد
ربَّ بُرجٍ قد صار منزلَ يومٍ
وعرينٍ قد بات مسكن سيد
وعيالٍ من الطَّوى في هُزالٍ
يلبسون الحداد في يوم عيد
وكَعابٍ يتيمةٍ ما درت لِلْـ
ـيُتم معنى في غير درِّ العقود
وذليلٍ محطم هو من نسـ
ـل أباةٍ شُمِّ المعاطيس صيد
لاجئٌ كان ملجأ. وشريدً
كان يأوي إليه كلُّ شريد
وهوانُ الأحرارِ أهونُ وقعًا
منه حزُّ المدى بحبل الوريد!
يا فلسطينُ، إنَّ ردَّكِ دَينٌ
مستحقُّ الأداءِ في كلِّ جيد
إن عيينا عنه، وعيَّ بنونا
فهْو دين في جيد كلِّ حفيد
فدعي القوم يمرحون قليلا
ربَّ يوم لسَحقهم موعود
ربّ يوم يرى ابنُ «غريُون» فيه
ذَا نُواسٍ، والنارَ في الأُخدود
قسمًا بالعرض المَصون، وطفلٍ
بين أحضان أمِّه موءود
لنَخُطَّن فوق أرضك سفرًا
بمدادين: من دمٍ، وصديد
ذاك عهدٌ قد عاهدتْكِ عليه
أمَّةٌ حُرَّةٌ، تفي بالعُهُود
وجمالٌ من خَلفِها ظلَّل اللـ
ـهُ جمالاً بظلِّه المَمدود!
في سبتمبر سنة 1961م، أقام المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب -بمدينة دمشق- مهرجانًا لإحياء ذكرى الشاعر: البحتري، وانتدب الشاعر للمساهمة في هذا المهرجان، فألقى القصيدة التالية
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمود غنيممصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث426