تاريخ الاضافةتاريخ التعديل
السبت، 8 ديسمبر 2007 07:21:33 م بواسطة محمد شريمالأربعاء، 15 يونيو 2016 02:04:16 ص بواسطة حمد الحجري
0 832
محمد ... في حكايته الأخيرة ..
( 1 )
وقَفَ الطغاهْ !
في غيِّهم وقف الطغاهْ !
فتحوا عيونهم الكليلة لحظة ً
فاسترجعوا البصر الحديد وفارقوا
سِنة من النوم المورَّد بعدما
فقدت معاجم أفـْقِـهـم
معنى يُشير إلى تصوّر مُنتهاهْ ..
وقف الطغاهْ!
مَطر من الأحجار فوق رؤوسهم ،
شهُب من (( المُلتوف )) مِلْءُ عيونهم ،
من تحتهم رمل تجمَّع من شرَر ،
والبحر غير البحر ، طوفان من الرَّهج الكثيف ومن دخانْ ،
ريحٌ من الغضب المؤجَّج في صدور الثائرين ،
موج تدفق من جهنم جاء يلفحهم لظاهْ !
والله يعلمُ ما مداهْ !
وقفَ الطغاهْ !
رقصوا على لحن البنادق رقصة الدّم والدّمارْ ،
ألقوا بنهر الحقد ، في أعماقهم ،
حورية الإحساس قرباناً فهانوا واستهانوا بالحياهْ ..
قرؤوا على نصب الحضارة جهرةً
سِفراً من التفجير وافترشوا الشظايا والبقايا والضّحايا والدّماءْ ..
وتساءلوا عما جرى
وكأنهم لم يسمعوا من صَرخة الدنيا صَداهْ !
( 2 )
وقفَ الطغاهْ !
ومحمدٌ يجري مع اللحظات في صيف الطفولة عابثاً
ما بين أنفاس الصباحْ ..
تتلألأ النجمات في كفيه رغم المستحيل ورغم ما فقدَتْ يداهْ ..
تتراقص الأحلام في عينيه لحظة حُلمهِ
وكأنها نظمٌ بهيّ من فقاقيع الأماني قد تطاير فوق تيّار الخيَالْ ..
فإذا رأيتَ رأيتهُ ..
كتبَ النشيد المدرسيَّ بخَطـِّهِ
جُمَلاً على وجه السّماء بماء ألوان الشّفقْ ،
ومضى يُمارس بعد حين طقسَهُ ،
وبخفّة أدّى من الجمباز شيئاً فوق قوس من قزَحْ ..
فتهزّزَتْ قزحاتهُ حتى تشقق من خُطاهْ
ولربما ركبَ الفراشة ساعة ً
متنقّلاً بين الزهور بزَهْوهِ ،
فتمايلتْ أغصانها
فرَحاً بنشوةِ قرْبهِ
وتنشّقتْ ما كان يعبقُ من شذاهْ
هذا صِباهُ .. محمد ٌ هذا صِباهْ !
لكنَّه كالكوكب الدُّرّيِّ ما فوق الغيوم ،
هو مثل ناقوس خلا من مِضربه ،
هو زخرفٌ أخْفته عاصفة الثلوجْ ،
موج تفاءل في الصباح بلحظةٍ
فيها يقبّل رمله الذهبيّ في عز الظهيرة فاستفاق وقد تكسّر مدُّهُ
في بطن جرفٍ قد ثناهْ ..
هذا صباهُ .. محمد هذا صِباهْ!
( 3 )
وقف الطغاهْ !
ومحمد بين الرصاص قد انحنى
والشمسُ في عينيه قد شرقت لمرّتها الأخيرة برهة ً..
في كونه العربيِّ ما التمسَ الحماية واثقاً
بمَفازةٍ لإغاثة الملهوف إلاّ خلف شيء من حَجَرْ ..
ورأته أمصارُ الأباعد والأقارب في حِماهْ!
فانظرْ إليه فقد تراهْ!
طفل بعمر الورد ينتظر الرصاصة ساعة ً
في يأسِه اللجّيِّ يطفو فوق طوْفٍ من أملْ ..
مرّت بخاطره سريعاً بعض ذاكرة الطفولةِ كالرَّصاصْ:
شيء على الأقدام من وحل الشتاءْ ،
عشبٌ تخضّب بالدِّماءْ ،
ريح تحَرِّك سقفَ بيت من صفيحْ ،
لغط غريبْ ،
زيٌّ رهيبْ ،
بطْش يدور على هواهْ ..
والنفسُ تطحنها رحاهْ !!
متواصل صوتُ الرّصاصْ ،
كيف الوصول إلى الخلاصْ ؟
كيف العبور إلى النجاهْ ؟
قال الفتى في نفسه : وا أمّتاهْ!!
أَأَعود كي أعدو أمام مُوَيْجةٍ صيفيةٍ
في بحر غزّة خِلسة من خلف أمّي ساعة ً قبلَ الأصيلْ ؟
أأسيرُ بعدُ أمام بيتي بانطلاقْ ؟
أَأُلاعب الأصحاب ثم أُعيد ذكر حكايتي عند الجلوس مع الرّفاقْ ؟
مَرّتْ كلمْح البرق صُورة أمّه ِ
في ذهنهِ
فبكى كما تبكي الرِّمال بحُرقةٍ
حين الحنين إلى المَطرْ..
وبصدره نبضٌ بمختلف اللغاتْ :
أنا قد شربْتُ من الطفولة ما شربتُ من السّرابْ !
أنا لم أشاهدْ غير جدران المخيّم والبنادق والجنود !
أنا ما سمعتُ سوى صراخ الخائفين من العتاهْ !
والآن قد ذهب الأملْ ..
ولربما جَمَل الحياة بما حَمَلْ ..
لكنَّ نفسي كالقطاة تحوم مِن ظمَأٍ شديد فوق كثبان العَدَم ..
فمن الذي يأتي بكأس ليس يرويني سِواهْ ؟
هو وجهُ أمّي ، أنْ أراهْ !
( 4 )
وقفوا ، أجلْ ...
وقف الطغاهْ !
ومحمد بين الرّصاص ونظرةٍ
صارت بفَوْرَة شوقهِ قصوى مُناهْ
لله درُّكَ يا محمد ، كم بلغتَ من المعاني حينما
جَذبَتْ عيونَ الشوق فيكَ أمومة ،
وجذبْتَ عيْن البندقية كاليمامةِ في الفضاء ولم يكن
جَفن يرفُّ من الجناهْ
متواصلٌ صوت الرّصاص على المَدى ..
وعلى المفارق والبيارق والحناجر والجباهْ ..
والثائرون تكاثروا
والثائرون تناثروا
والثائرون تمرَّدوا
في كلّ زاوية وبيت خلف أسوار الحقول وتحت أشجار النخيلْ ..
والأرض تزداد اشتعالاً تحت أقدام الغزاهْ ..
ذعِر الطغاهْ !
جُنَّ العُتاهْ !
فتجاوزوا برصاصهم كلَّ اتجاهْ ..
وَهَنوا بضَعف نفوسهم
صغروا بذات صدورهم
وقويتَ أنت أمامهم من حيث كانوا يَضعفونْ
وعَظُمتَ أنت بعينهم من حيث كانوا يصغرونْ
فاستفتحوا بابَ الخلاص بكلّ طغيان الرصاصْ
فنبَتَّ زنبقة ً على قبر الحضارة والسلام !
وذهبت مثل وريقةٍ تطفوا على سطح المياهْ ..
فقويتَ فوق ثرى البسيطة حيث كانوا يضعفونْ
وعظمتَ في عين الخليقة حيث كانوا يصغرونْ
نزلوا إلى دَرَك الدناءة وارتقيت إلى الإلهْ ..
ما متَّ أنت وإنما قتلت عدالة عصرنا بيد الجُناهْ
وغدوتَ فوق ضريحها مرثيَّة ً تعلوا الشفاهْ ..
صَمَتَ القضاهْ !
* في حادثة استشهاد الطفل البريء محمد الدرّة .
إسم الشاعرإسم الكاتبالبلدإسم القسمالمشاهدات
محمد شريممحمد شريمفلسطين☆ دواوين الأعضاء .. فصيح832
لاتوجد تعليقات