تاريخ الاضافة
الإثنين، 21 يناير 2008 08:23:14 م بواسطة المشرف العام
1 8917
في مقام العراق
كُفّوا لسـانَ المراثـي إنها تَـرَفُ
عن سائرِ المـوتِ هذا المـوتُ يختلفُ
وضَمّـِدُوا النخلَ سَبـْعاً إنه زمـنٌ
للحرب لا السِّلْمِ فيه يُرْفَعُ السّـَعَفُ
ضَـلَّ الكَـلامُ وضَلَّ المهـتدونَ به
إن الصـفاتِ خِيـاناتٌ لمـا تَصِـفُ
المـرءُ سـِرٌّّ ووَجْـهُ المَرْءِ يـكتُمُهُ
تَحتـارُ هَلْ عرفوا أم بَعْـدُ ما عرفوا
تُخْبِـرُهم فَتَرى في صمـتهم خَدَراً
كالشيـخِ عَزَّاهُ عن قَتْـلِ اْبْنِهِ الخَرَفُ
إن يصـبروا لا تُصَدِّقْ أنهم صَبَرُوا
أو يضـعفوا لا تُصَـدِّقْ أنهم ضَعُفُوا
يا من تصيـحونَ يا وَيْلِي ويا لَهَفِي
واللهِ لم يـأْتِ بعدُ الوَيْـلُ واللَهَـفُ
هذِي المصـيبةُ لا يرقى الحِـدادُ لها
لا كـربلاءُ رَأَتْ هـذا ولا النَّجَـفُ
هذا استهلال، والاستهلال استهلال الدمعِ واستدعاءُ الهلال، والهلال مقياس الزمان وسِجِلَّ المسلمين،
قُلامةُ الأظفر، وقارِب الفِضَّة، مهدُ الليل وطريدُ النهار فيه...
يا هلالْ
عَلَمَ المؤمنينْ
أيها القاربُ المتَأَرجِحُ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالْ
شمالك مُعْتَلَّةٌ واليمينْ
يا هلالْ
أيها القاربُ المتأرجحُ تمحو وتكتب كيفَ تميلُ مصائرَنَا
في الحروبِ المقيمةِ أو في السلامِ السِّجالْ
يا هلالْ
يا مشابكَ شعرِ الصبايا وقوسَ الرموشْ
يا قُلامَةَ ظُفْرِ الوحوشْ
تحوِّلها من زئير الصَّحاري إلى رسمةٍ في ثياب المدارسْ
يا قُلامَةَ ظُفْرِ الرجالْ
تقيَّدُهم بالبلاغةِ في السُّوَرِ البَيِّناتِ فلا يعتدون على الذاتِ والآخرينْ
يا هلالْ
يا ابتسامةَ ليلٍ عليلٍ، يُجَامِلُ أمثالَنا الزائرينْ
يا أنينْ
يا جنينْ
يا حزينْ
يا مؤانسْ
بليلٍ طويلِ الهمومِ بطيئِ النجومِ كثير الوَسَاوِسْ
ويا أيها الشاهد الأبديّْ
يا حبيب النبيّْ
ويا من أضأت الطريقَ لجبريلَ
تُمسِكُه من يَدَيْهِ لغارِ حِراءٍ
وقلتَ لَهُ:
إنَّهُ هاهُنا فَتَفَضَّلْ
ويا من تَنَقَّبْتَ حَتَّى هَرَبْتَ وهَرَّبْتَهُ
وَسُيوفُ قريشٍ بأغمادِها تَتَمَلْمَلْ
ويا من هَدَيْتَ الحَمَامَةَ أن تَضَعَ العُشَّ في باب مخبئِهِ
دونَ أيِّ مكانٍ سواهُ على رُقْعَةِ الصَحَراءْ
ويا من تبسَّمَ مِثْلَ الشيوخِ بأعراسِ أحفادِهم،
وكأنَّكَِ وحدَكَ تَفْهَمُ أيَّ انتقامٍ أرادَ لهم
حينَ قالَ:
اْذْهبوا أنتم الطُُلَقَاءْ
ودونَ جميعِ الذينَ أَحَبُّوكَ من أُمَمِ الأرضِ
أَهْدَيتَ نَفْسَكَ للمسلمينَ
إذا ما بَنَوا قُبَّةً يا هلالُ
تجاورُها وتغازِلهُا
وتُجَمِّلُها وبها تَتَجَمَّل
يا صباحاً تأجَّلْ
شَهِدْتَ تَفَرُّعَ تَاريِخِنا كَقُرُونِ الغَزَالْ
وتَحَمَّلتَ صُحْبَتَنَا ما اْسْتَطَعْتَ
رَغِيفاً يُغَمَّسُ بالزيت فجراً
دنانيرَ يرمي بها الشعراءُ لخَمَّارِهم
لا لتبذيرِهم بل لأنَّ الدنانيرَ ليست تليقُ بشعرٍ يقالْ
ووجهاً لجاريةِ تتقنُ العَرَبِيَّةَ لكنَّها خلطت بين زايٍ وذالْ
وترساً عتيقاً توارَثَهُ بائعُ الخَزِّ عن جَدِّهِ البَدَوِيّْ
يُفاجِئُهُ كُلَّما احتاجَهُ أَنَّهُ لم يَزَلْ صالحاً للقتالْ
وتَحَمَّلْتَ صُحْبَتَنَا ما اْسْتَطَعْتَ
ترى ما ترى من قبيحٍ فتغضبُ منا
إلى أن ترى ما ترى من جَمَالْ
تشاركنا كلَّ ليلٍ قصيرٍ وتسهر وحدَكَ في كلِّ ليلٍ يَطُولْ
ثُمَّ أنتَ الذي نامَ بينَ المقابرِ كَيْ لا يَرَاهُ المغولُ ببغدادَ يا صاحبي
وَعُدْتَ، كما يَصِفُ اْبْنُ الأَثِيرِ، تُعانِقُ من عاشَ مِن أهلِها
بعد سِتِّ أسابيعَ
كي تَتَدَبَّر أَمْرَ المعايِشِ،
لا بُدَّ من قَمَرٍ يَسْهَرُ الليلَ
حتى وإن كانَ فيها مَغُولْ
يا جَلِيلَ النُّحُولْ
يا خَفِيَّ الكمالْ
أيُّها الصفحةُ المستديرةُ
ليسَتْ بياضاً تماماً
وليست سواداً تماماً
وليسَ يضيعُ عليها الكلامُ
وليسَ يُسَجَّلْ
ويا سِرَّ قوميْ الذي ما تَأَوَّلْ
ويا من أَعِنَّةُ أعمارِنا في يَدَيهِ
ويا مَنْ يُشِيرُ إلى قِبْلَةِ اللهِ ما يَتَحَوَّلْ
يحنُّ إليها، تَحِنُّ إليهِ
لذا تُبصرونَ ذِراعَيهِ ممتَدَّتَيْنِ كما دائماً للعناقْ
يا هلالاً تَنَزَّلَ من أُفْقِهِ
غُرَّةً في جبينِ البُراقْ
يا هلالاً حراماً عليهِ المحاقْ
يا هلالاً لنا
يا رفيقَ الرفاقْ
هل سَأَلْتَ وأنت تَعُدُّ خُطَانَا مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ حتى احتلالِ العِراقْ
هل رَفِقْتَ بنا
يا رفيقَ الرفاقْ
قال الهلالْ
أنا الاحتمالْ
أنا الزَّعمُ أن اللإضاءةَ في الليلِ ممكنةٌ دونَ أن تظلمَ النارُ زيتاً
ودونَ افتخارِ الدُّخَانِ بلا وَجْهِ حَقٍّ على العالمينْ
أنا الليلُ حينَ يخالفُ فِطْرَتَهُ ويُضِيءُ
أنا الاحتمالُ الضئيلْ
أقولُ لكم إنَّ شمساً، وإن فارَقَتْ، ما تَزَالُ هُنا
في زوايا السماءِ
ووجهيِ عليها الدَّليلْ
أنا الاحتمالُ الخفيفُ الثقيلْ
أنا كُلَّما أضَعَفَ الله ضوئي طالَبْتُكم أن تَرَوْنِيَ أكثَرَ
هاتوا مناظيرَكُم واستعِدُّوا
أنا الأَمَلُ المستَغِلُّ الذي دائماً يطلبُ المستحيلْ
يُوقِنُ الراصدونَ بأن لا صَبَاحَ سَيَطْلُعُ مِنِّي
لأني ضعيفٌ نحيفٌ هزيلْ
ويأتونكم بالبراهينِ، هذا هُوَ العِلْمُ
إن الأَهِلَّةَ أَبْخَلُ من أن تَجُودَ عليكم بنورٍ
وإن الأَهِلَّةّ محضُ صخورٍ
ويأتونكم بالبراهينِ
وعدُ الهلالِ لكم بالضياءِ ضلالْ
ويقولون إذ يُمْعِنُ الليلُ في نَفْسِهِ
وأكادُ أغيبُ
انظروا، إنه سوف يَتْرُكُكُمْ للظلام،
ويَنْتَحِلُونَ لِيَ العُذْرَ،
إن الظَّلامَ كَثِيرٌ
وإن الهلالَ قليلْ
ولكنَّهُم يُذْهَلُونَ إذا ما أَطَلَّ عليكم بِوَجْهِي صباحٌ جديدْ
لم أَغِبْ، كنتُ أحضِرُه من مَكَامِنِهِ،
أَيْ نَعَمْ، مِتُّ حتى أتيتُ بِهِ
فأنا الميِّتُ الحيُّ فيهِ
اْذكروني اْذكروني إذا جاء صبحٌ
ففي كلِّ صبحٍ هلالٌ شهيدْ
وقال الهلالْ
أنا الاحتمالُ بكل المعاني
أنا الاحتمالُ الذي في السؤالْ
أنا الاحتمالُ الذي في القواعدْ
أنا الاحتمالُ بمعنى الأَمَلْ
أنا الاحتمال الذي في الجَمَلْ
وأنا الاحتمال بمعنى الرَّحِيلِ
إذا اْرْتَحَل الرَّكْبُ قِيلَ اْحْتَمَلْ
وقال الهلالْ
أنا ذو الشهادةِ
بالمعنيينِ، شهيدٌ، وشاهدْ
وكل احتمالٍ يكونُ شهيداً
وكل شهيدٍ يكون احتمالاً
فصبراً زماني
ستدري، إذا أَذِنَ اللهُ لي فِيكَ،
أيَّ عَدُوٍّ كريمٍ تُعانِدْ
أنا بِذْرةٌ في حقولِ الليالي
يُبَشِّرُها بالزوالِ اكتمالي
وإنْ أكتملْ فاْكْتِمالي زَوَالي
وإن زُلْتُ عُدْتُ إلى مَوْلِدِي
بذرةً في حقولِ الليالي
ظلامٌ ونورٌ وحقٌّ وزورٌ وطفلٌ وماردْ
أنا الليلُ في النُّورِ والنُّورُ في الليلِ
والكُلُّ في الجزءِ والجزءُ في الكُلِّ
أعني المعاني جميعاً
ومعنايَ واحدْ
ألا أيُّها الناسُ لا تَسألوا هل رَفِقْتُ بكم
أَمِثْلي يُعَاتِبُهُ مثلُكم؟
أنا صاحبُ النَّولِ
ظهري تَقَوَّسَ من جِلستي
إذ أَسُلُّ من الليلِ خَيطاً فَخَيطاً
وأَغْزِلُ ثوباً لكم
ثُمَّ في ليلةٍ من ليالي المحرَّمْ
أتاني الغزاةُ إلى منزلي
يَلبسُونَ الحديدْ
والأدِلاَّءُ منكم
ألا أيُّها الناسُ لا تسألوا هل رَفِقْتُ بكم
واسألوا
هل حفظتم عَلَيَّ مَشِيبي
وعهديْ البعيدْ
المـوت محتمل ضيفاً به ثقـلُ
كذا قيامِيَ بعدَ الموتِ، مُحْتَمَـلُ
والليلُ حِمْلٌ أنا مِنْ تحتِه جَمَـلُ
يا قائِمِيْ الليلِ لا خوفٌ ولا وَجَلُ
أنا لكم وَلَدٌ إن شِئْتُ أو سَلَفُ
قالَ الهلالُ وبعضُ القَولِ لا يَصِلُ
إلا إذا ماتَ بعضُ القَوْمِ أو قُتِلُوا
هل يَعْلَمُ المدَّعُونَ العَجْزَ ما فَعَلُوا
قَدْ أَثْكَلُوا اللهَ لو من شَأْنِهِ الثَّكَلُ
بلْ ذاكَ أهْوَنُ من بعضِ الذي اقْتَرَفُوا
كُفُّوا لسانَ المراثي إنها تَرَفُ
***
"أَرَى العِراقَ طَويلَ الليلْ"
قالها جدُّنا يرثي أميرةً من بني حمدان،
يقولُ إنَّ ليلَهُ طالَ وهو بالعراق بعيدٌ عنها،
فكيف بليلِ أخيها في حلب،
ليس للبيت كبير معنى، لكن أثْقَلَهُ التاريخ
"أَرَى العراقَ طويلَ الليلْ"
يا أبا الطَيِّب، قد كُنَّا أَخَذْنا عليكَ عهداً أن لا يجوزَ الشعرُ بَعْدَك،
كان الشِّعرُ سِرَّاً وأَذَعْتَهُ، قَمَرَاً أَنْزَلْتَهُ وفَرَّقْتَهُ على التلاميذ،
فأعطيتَ كُلاًّ منهم قطعةً عليها اْسمُكْ
لا يجاوِرُ شِعْرَك بعدَها إلا نثرٌ وإن اتَّزَنْ
فكيفَ سَمَحْتَ لذلكَ الهاوِي المبتَدِئ، المسَمَّى بالتاريخ
أن يكتُبَ كلَّ هذِهِ المراثي إِذَنْ
كيفَ سمحتَ لهُ أن يُلْزِمَ أبياتَكَ مَعْنَىً لم يكن فيها
كيفَ كانَ لهُ أنْ يُحَوِّلَ كلامَكَ إلى زكائبِ خَيشٍ يملؤُها بما يَشَاءْ
ليسَ التاريخ شاعراً يا جَدِّي، لكنَّهُ يُغَشِّشُ الشُّعَراءْ
قاتلٌ يُطْعِمُ العصافير، ومِثْلُهُ لا يُؤْتَمَنْ
فَكَيْفَ سَمَحْتَ إِذَنْ
"أرى العراق طويل الليل"
أَكُنْتَ تعني رَأْيَ العَين،
ليلاً حِسِيّاً طويلاً،
تزيدُهُ حرارةُ الجَو ّ
وغَلاظةُ رقابِ الأمراء،
يجفل من حولها الهواء
تاركاً فراغاً خانقاً لأيِّ حَيٍّ يقترب؟
أم كنت تعني رأْيَ أهلَ الحسابِ والمنطق،
أنَّ من يملكِ الجنةَ يَعِشْ بينَ نارَيْن،
نارِ الدفاعِ عنها إن بَقِيَتْ،
ونارِ الندمِ على خُسرانِها إن ضاعت؟
أم كنت تعني رأي الرؤيا؟
كأنك أصبت من النبوة بعضها،
في أي بلورةٍ نَظَرْتَ؟
أي بلورةٍ تحمَّلَت أن تَمُرَّ عليها مشاهدُ تاريخِنا بعدَكَ،
دون أن تنفجر؟
أي كتابٍ من كتبِ الفَلَك،
لم يحترقْ من الأحداثِ المتوقَّعَةِ في طالِعَِنا؟
في أي كفٍّ أوجبينٍ رَأَيْتَنَا يا جَدُّ،
وأيَّ شيءٍ رَأَيْت؟
هل رأيت عُلْبَةَ الأسبرين وحدَها تماماً في مركزِ الأورام؟
هل رأيتَ ذلكَ الإيمانَ العصبيَّ عندَ الأمهاتِ أن موتَ الأطفالِ قضاءٌ وقدر؟
هل رأيتَ الشَّيْبَ في مَفَارقِ السَّعَف، وخُشُونَةَ الجذوعِ تسكُنُ أصواتَ البنات؟
هل رَأَيْتَ وقفةَ الجنديِّ يطلبُ مُرَتَّبَهُ من عَدُوِّهِ ثمَّ لا يُعطِيه، هل رَأَيْتَ بَعْدَ ذلكَ استشهادَه؟
أكنت تعلمُ بهذا الوَيلِ المتْقَن، والقتل العُموميّْ؟
والطائراتُ تُعيدُ تعريفَ السماءِ لنا، والخطوطُ الحُمْرُ تعيدُ تعريفَ الأرضْ
جَعَلَتِ الخريطةَ عجوزاً متصابيةً طاعنةً في ألوانِها الاصطناعيَّةْ
أيُّ عدوانٍ على جَدَّتِكَ الوَقُورِ أَشَدُّ من أن يُلَوِّنَ لها صِبْيَةُ الحَيِّ وَجْهَهَا
بهذه الحدودِ الدَّوليَّة!
"أرى العراقَ طويلَ الليلِ مذ نُعِيَتْ فَكَيْفَ لَيلُ فتى الفتيان في حَلَبِ"
صَحَّ اللِّسانْ، الليلُ نقيضُ هذه الألوانْ، يهبطُ على الخريطةِ كالحجابْ
يستر العجوزَ والصَّبِيِّة، وَيَضُمُّهُمَا مَعَاً
في المصيبةْ
أرى العراقَ طويلَ الليلْ
نامَ جَدِّي أبو الطَّيِّبِ أحمدُ بْنُ الحُسَيْنِ المتَنَبِّي
لَيْلَ الأربعاءِ على الخَميس، لسبعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَوْنَ من المحرَّم عامَ أربعةٍ وعشرينَ وأربعِمائةٍ وألفْ
على قصفِ الطائراتِ الأميركية لبغدادْ
وقامَ جَدِّي، على أصواتِ المؤَذِّنين
يقيمونَ صلاةَ الفجرْ
حي المآذنَ تحتَ القصفِ تَبْتَهـِلُ
الشِّعرُ أنتِ وباقي الشِّعرِ مُنْتَحَلُ
أنتِ رسولٌ خَلَتْ من قَبْلِهِ الرُّسُلُ
لكنَّ أهلَكِ صَمُّوا عَنْكِ أو جَهِلُوا
فَلا يَرَوْنَ الضُّحَى والشَّمْسُ تَنْتَصِفُ
حَيِّ المأذِنَ تحتَ القصفِ تَنْتَصـِبُ
حَتىَّ الطيورُ التي من حَوْلِها عَرَبُ
تُطَمْئِنُ الأهْلَ إذْ يجتاحُها اللَهِـبُ
أنا بخيرٍ فلا خـوفٌ ولا رَهَـبُ
ما زِلتُ أُقْصَفُ لكن لستُ أنْقَصِفُ
كُفُّوا لسانَ المراثي إنها تَرَفُ
***
طَائِفَةٌ مِنَ الحَدَّادِينَ المكفُوفِينَ نحنْ
نَدُقُّ معادنَ لا نعلَمُ أُصُولَها
ونُصَبِّرُ أنفسَنا على النار
حاسبينَ أننا نصنعُ شمساً من ذَهَبْ
والدهرُ يمشى على إيقاعِ مطارقِنا
وعلى الباب ينتظر الناس أن نَخْبِزَ الشمسَ لهم
أَتَوا بالدَّراهِمِ والدَّعَوات
يُغَنُّونَ لنا ولها:
يا شمسُ كوني لِنَفسِ المرءِ مطهـرَها
يا شمسُ ولْتَجْعلينا بعضَ داراتِك
ويابْنَ آدم صُمْ للهِ إن تَـرَها
وصلِّ كي يغفرَ الرحمانُ زَلاَّتِك
هي التي كَتَبَتْ في الكَفَّ أسْطُرَها
فأصبحت طُرُقاً تقتادُ خَطْواتِك
يا شَيْخَ طائفةِ العميانِ كنْ عَجِـلاً
متى بِرَبِّـكَ هذا الأمـرَ تُنهيهِ
أجابهم قائلاً:
بالله صـبراً علينـا يا مـوالينا
في صُنْـعِ شمسِكُمُ طالَت ليالينا
عميانُ نعمل في سوقِ الحديدِ ونج
لوهُ إلى أن جـلا شيـبٌ نواصينا
نصنـعُ ما يطلُبُ الشـاري ونجهلُهُ
ولا نرى كم من الأموالِ يعطينا
نَقْتَرِضُ العَيْـشَ من دنيا ً مُـرابِيَةٍ
تُسْرقُنا لا هَدَى الله المـرابينا
قالَ الرجالُ اْطْرُقُـوا شمساً لِتَهْدِيَنا
تهدي البصيرَ ولكن كَيْفَ تهدينا
عميانُ نطرقُ شمسـاً لم نكن أبداً
عشـَّاقَها لا ولا كـُنَّا مُبالِينا
ولا نـري أين ما تهوي مطـارقُنا
ولا نبـالي بـما تأتيـهِ أيدينـا
لكنَّنـا رغمَ هذ العجزِ أرفَعُ قَدْ
راً مِنْكِ يا شمسَنا إن كُنْتِ تدرينا
إن كنتِ طا لعـة ً أو كنتِ غائبةً
مهما فعـلْتِ فأمرٌ ليْسَ يَعنِينا
والشمسُ تاريخُنـا إذ لا مجازَ هنا
وإن عَمِينا فمـا تَعْمَى معانينـا
نَصْنَـعُ تاريخَنـا عَفْواً ويَصْنَعُنـا
شيخٌ و أعمى وفيـهِ كُلُّ ما فينا
ومنذ ألفٍ من الأعـوامِ يَنْتَـظرُ الرِّ
رجـالُ شمساً بها ظَلُّوا مجانينا
شمـسٌ تعيـدُ لهم أمواتَهـم زُمَراً
ثُمَّ تُقِيمُ على العَـدْلِ الموازينا
وَتَرْحَـمُ الناسَ من دنياً معـاويةٍ
وتُنْجِزُ الأَمْرَ لم يُنْجَــزْ بِصِفِّينا
يا أَهْلَنَا اْسْتَمِعُوا، عِنِدي لَكُم خَبَرٌ
يُضْنِيكُمــو لو أُدَارِيهِ ويُضْنِينا
لا شمسَ بل كُرَةٌ من مَعدن طُلِيَتْ
وليــسَ إشراقُها إلا تَلاوِيـنا
يا من نَذَرْتُم إذا عادَ الأُلى ذَهَبُوا
سَتَبْذُرُونَ إلى الطَفِّ الرَّيـاحِينا
لالن يَعُودُوا لكم قَطْعاً لأنهمـوا
ما بينَ أضْلُعِكُم ظَلُّوا مَسَـاجِينا
قالوا له مالذي يا شيخ تعنيهِ
يا شيخَ طا ئفةِ العميانِ، هَلْ عَلِمَتْ
يـداكَ ما أَخْطَأَتْــهُ عينُ رائِيهِ
يا شيـخ طائفة العمـيان أبـد لنا
ماكنـتَ عنـَّا بحقِّ اللهِ تُخْفِيهِ
إن العَمَى بيننا يا شيخُ مُقْتَسَــمٌ
إن العَمَى ليسَ إلا ما نُسَــمِّيهِ
فقالَ والحقُّ موقوفٌ على فِيهِ:
يسألني عن مكان البيتِ مُبْصِرُكُم
يا بانِيَ البَيْتِ فاحْفَظْ أَيْـنَ تَبْنِيهِ
قُوموا إذا ما أَرَدْتم أن يُقَامَ بِكـُم
قَـدْ يُؤخِّـرُ من خَـيرٍ تَمَنِّيهِ
بئسِ انْتِظارُكُمو القَوْمَ الذينَ مَضَوا
إن انْتِظَارَكُمُو حَبْسٌ وهـم فِيهِ
يا من بَكَوْا ظُلْمَ مَنْ في كَرْبَلا ظُلِمُوا
هَاتُوا المرايا فأنتم يا رجـالُ هُمُو
ماذا أُعَلِّمُـكُم والعِلـْمُ عِنْدَكُمُو
أعمىً يقودُ بصيراً لا أبــالَكُمُوا
قد ضَلَّ من كانَتِ العميانُ تَهدِيهِ"
أناْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ
أنا من يحفظُ في كَفَّيْهِ جُدرانَ المكانْ
أصْبَحَتْ من طُولِ جَسِّي جَانِبَيْها
طُرْقُ بغدادَ وخَطُّ اللهِ في كَفِّي سِيَانْ
أناْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ
أَنَاْ مَنْ أَذَّنَ في غير الأَوَانْ
كنتُ سكرانَ ولكن
أَنَاْ من ماتَ فِداءً للأَذَانْ
أَنَاْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ
قائدُ العميانِ في طرقاتِ بغدادَ إلي أبياتهم والمبصرينْ
أَنَاْ من أَبْصَرَ ما في السَّيفِ من ليلٍ تهاوَت مِن أَعَالِيهِ الكَواكِبْ
أَنَاْ من غَرَّبَ طيرَ الشِّعرِ عن أوطانِهِ
أنا من لم يبقَ من ديوانِهِ
إلا اشتباك وارتباك بين أستاذ وطالبْ
أَنَاْ من دافَعَ عن إبليسَ في عِصيانِهِ
أَنَاْ من ماتَ على إيمانِهِ
أنا من لا فرق عندي بين محجوب وحاجبْ
وأنا من تسكن الأسرار في إعلانِهِ
وأنا طِفلٌ إذا وَبَّخَهُ الدَّهرُ يَرُدّْ
أناْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ
أناْ من أَذَّنَ تحَتَ القَصْفِ فَجْراً
أَفْتِلُ الصَّوْتَ حِبَالاً
أَرْبُطُ الأُفْقَ بها أَنْ يَتَهَاوَى
مثلَ إعصارٍ وبحَّارٍ وقارِبْ
كل من أذَّن في بغداد مثلي
ألفُ بحَّارٍ وبحَّارٍ يَشُدُّونَ سماءً كالمراكبْ
تَتَهاوَىَ وَنَشُدّْ
أناْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ
اللهُ أكبرُ تحتَ القصـفِ تَنْدَفِعُ
وكلَّما ضاقَ عنها الأُفُـقُ يَتَّسِعُ
إن القَنَابِلَ تَهـْوِي وَهْيَ تَرْتَفِعُ
نُبُوءَةٌ أَسْمَعَتْكُمْ لَوْ لَكُـمْ سَمَعُ
لا جِنَّ يَحْضُرُ إلا سَوْفَ يَنْصَرِفُ
عَنِّي خُذُوها وقُولُوا قَالَ بَشَّارُ
لا تدَّعُوا العجزَ ما في العجزِ أعذارُ
تَعَمُّدُ المَــرءِ للنسيانِ تِذْكارُ
وبعضُ من حَزِنُوا في حُزْنِهـم عارُ
والحزن كالذنب بالإخفاءِ يَنْكَشِفُ
لا تدعوا العجزَ فالأعمَى له بَصَرُ
والريحُ مجتاحـةً يجتاحُـها الشَّجَرُ
كما تُكَسِّرُهُ فالرِّيـحُ تَنْكَـسِرُ
لا يَعذُرُ المـوتُ من يأتِـيهِ يَعتَذِرُ
وقُوَّةُ السيفِ فاعلمْ، أصلُها رَهَفُ
كُفُّوا لسانَ المراثي نها تَرَفُ
***
نخلَ العراقِ أنا أعمَى ولم أَرَ ما
أَصابَ قَومِيْ وإِنِّي لا أُصَدِّقُهُمْ
إن أَخْبَرُوني فَأَخْبِرني بِرَبِّكَ يا
نخلَ العراقِ وإنْ
شَكَكْْتَ في نِيَّتي
فَاْسْأَلْ شُيُوخِيَ في
سُوُحِ المساجِدِ تَعْلَمْ
أنَّني حافظٌ للقَوْلِ مُؤْتَمَنٌ
يَبْقَى لَدَيَّ إذا ضاعَ الكلامُ سُدَى
نخلَ العراقِ اسْرُدِ التاريخَ مُكتَمِلاً
كما شَهِدْتَ عليهِ لا كما وَرَدَا
يا رافعَ التمرِ عن أَيْدِي الرجالِ فلا
يَنالُهُ أَحَدٌ إلا أذا صَعَدَا
صُعُودَ مَنْ لا يُبالي خَلْفَهُ أَحَدَا
صُعُودَ مُستَشهدٍ في الحربِ مُسْتَغْرِقٍ
في مَوتِهِ مِثْلَ ذي وَجْدٍ وما وَجَدَا
يا رايةَ الإِنْسِ في الصِّحْراءِ تُعْلِمُ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ كَأُمٍّ تجمعُ الوَلَدَا
تَعُدُّ أولادُها طُولَ الزَّمانِ ولا تستكملُ العَدَدَا
يا نخلُ يا عَلَماً يُسْقَى المياهَ ويُعْطِي رِزْقَهُ بَلَحاً
وكلُّ أعلامِنا تُسقَى بأعمارِنا ثُمَّ الثِّمارُ رَدَى
يا نخلُ يا داعياً لله يسأَلُهُ فينا بخيرٍ أَوَفَّى الله ما وَعَدَا؟
يا نخلُ يا شاهداً قد كانَ ينظُرُ للأدنَى يُسَجَّلُ ما يَرَى
فَمَلَّ وَوَلَّى وَجْهَهُ صُعُدَا
مِثْلَ غَزَالٍ لَهُ فَوْقَ السَّماءِ مُرُوجٌ كانَ مُعتقلاً
في الأرضِ حتى إذا ما فكَّها شَرَدَا
يا نخلُ يا بَيْتَ شِعْرٍ عَزَّ قائِلُهُ
فَظَلَّ مَعناهُ ظَنَّاً صاعِداً أَبَدَا
يَفْنَى الزمانُ ولا يَرقَى لما قَصَدَا
يا وَشْمَ صَحْرائِنا تحتَ الخِمَارِ بَدَا
يا أيها العارفُ الصُّوفيُّ يَنْكُثُ سِتْرَ الغَيْبِ مُجتَهِدَا
يا طَيْفَ لَيْلَى دَنَا حتى أقامَ نِيامَ الرَّكْبِ وابتَعَدَا
نخلَ العراقِ أجِبْنَا هل نَجَوْتَ من القَصْفِ الأخيرِ وَهَلْ
نجا سواكَ، وَمِنْ أيِّ الجِهاتِ أَتَوْا، أيُّ الدُّرُوبِ تُرَاها بَعْدُ ما أُخِذَتْ؟
يا نَخْلَنَا، أُمةٌ بينَ الملاجِئِ تحتَ الأرضِ ساجدةٌ، ولا صَلاةَ لها،
وُجُوهُها في التُّرابِ المرِّ لَيْسَ تَرَى شَيئاً سِواهُ
وَأَنْتَ وَحَدَكَ المستقيمُ الظَّهْرِ تُبْصِرُ ما يَجْرِي
فَخَبِّرْ جَزَاكَ اللهُ خَيراً عن العُمْيانِ، كلَّ حديثٍ واْحْفَظِ السَّنَدَا
يا نخلُ واْخْتَصِرِ الأخبارَ في خَبَرٍ
كما يُقَطِّرُ أهلُ الطِّبِّ غابةَ أعشابٍ بنُقطَةِ ماءٍ
او كما حَزَمَ البَدْوُ البُيُوتَ على أكتافِهِم وَمَضَوا
أو مثلما اْخْتَصَرَتْ "ألله أكبرُ"، إن تَحْسِبْ تَلاوِينَها،
رَفَّ قَوَامِيسَ من مِثْلِ كتابِ بنِ مَنْظُورٍ
وذاك إذا ما الدَّارِسُ اقْتَصَدَا
لايسمحُ الفاتحُ الغازي لمن هُزِمُوا أن يَأْخُذُوا مَعَهُم أخبارَهم
إنَّها يا نخلُ كانت لهم في حَرْبِهِ مَدَدَا
يا نخلُ قُلْ وَاْختَصِرْ، إنَّ العِدى وَصَلُوا
يا نخلُ يا باقِياً أقْوامُه رَحَلُوا
يا نخلُ هلاَّ سَألْتَ اليومَ من قُتِلُوا
هَلْ يَقْتُلُ اليأْسُ أم هَلْ يَقْتُلُ الأَمَلُ
نخلَ العراقِ اْسْرُدِ التاريخَ مُكتَمِلاً
حتى نَرَى أنَّهُ ما ليسَ يَكتَمِلُ
وأنَّهُ لم يَزَلْ فيهِ لنا عَمَلُ
نخلَ العراقِ جَزَاكَ اللهُ صَالحةً
أُسْرُدْ لنا ما تَرَى لا ما الوَرَى نَقَلُوا
فليسَ من غابَ عن يومٍ كمن شَهِدَا
قالت النخل،
من يشهدْ ما شَهِدْنا
تَكُنْ مريبةً سلامتُه
وأنا لم أكن وحدي
لقد كنتم شُهوداً معي
موتُكم حماكم
وأعفاكم
من عبءِ الرِّواية
وكاد يُودِي بي
كنا دائماً معاً
أطعمتُ أطفالَكم وأطعمتُ قَتَلَتَهُمْ
وأنتم منحتموني أطفالاً وقتلةْ
أنا منبرُ الأمير
ولكنَّ الأميرَ منكم
أنا صليبُ الأشراف
ولكنَّكُم
حين صُلِبْتُمْ عَلَيَّ، صُلِبْتُ عَلَيْكُم
لستُ بَرِيئَةً من دَمِكُم
وَلستم أبرياءَ من دَمِي
رَأَيتم ورَأَيْت
ونَسيتم ونسيت
تَساوَيْنا في الجريمة
ولكنْ لم نَتَسَاوَ في العِقاب
سامحتكم ولم تسامحوني
هاجرتم وترتكتموني
هل رأيتم غابةَ نخلٍ تهُاجِرُ عَتَباً على أهْلِها
أيُّها الموتى، أيُّها المدَّعونَ الموْت،
أنا مذنبةٌ، معترفةٌ بذنبي
فسامحوني
وعودوا
إنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقُول
"أكرِمُوا عَمَّاتِكُمُ النَّخْل"
يا عمَّةْ يا عَمَّةْ
يا أُمَّةَ الأُمَّةْ
يا عَمَّةُ اْعْفِينا
صَعْبٌ تَلاقِينا
كم عِلَّةٍ فِينا
يا عَمَّتي جَمَّةْ
يا عمَّة يا عَمَّةْ
كَلَّتْ أَيَادِينا
عن تمرِ أَهْلِينا
يقولُ رَائِينا
بعضُ النَّوَىْ رَحمةْ
يا عمَّةْ يا عَمَّةْ
واللهِ ما خانا
من ماتَ ظَمْآنا
لَوْلا مَنَايانا
لم نَخْفِرِ الذِّمَّةْ
يا عمَّةْ يا عَمَّةْ
ياعمَّتي هاتي
نجمَ السَّمَاواتِ
أُسْمِعْهُ أنَّاتي
في النُّورِ والظُّلْمَة
يا عمَّةْ يا عَمَّةْ
يا نخلةَ الوَادِي
لا نَالَكِ العَادِي
يا عمَّةُ اْزْدَادِي
من هَمِّكِ الهِمَّةْ
يا عمَّةْ يا عَمَّةْ
يا أُخْتَ آدَمَ هَلْ
عَنِ الغِيَاثِ مَهَلْ
إذا هِلالٌ هَلْ
أَعْطَى الزَّمانَ اْسْمَه
يا عمَّةْ يا عَمَّةْ
أَعْطَى الشُّهُورَ أَبَا
فَأَصْبَحَتْ عَرَبَا
أَكْرِمْ بِهِ نَسَبَا
أَكْرِمْ بِهَا تُهْمَةْ
يا عمَّةْ يا عَمَّةْ
أنا هِلالُ النَّاسْ
جاسَ المدَى ما جاسْ
بَيْنَ الرَّجَا والياسْ
والدَّمعِ والبَسْمَةْ
يا عمَّةْ يا عَمَّةْ
يا سِرَّنا العَلَنَا
ما كانَ أجْمَلَنَا
هَلْ تَأْذَنِينَ لَنَا
بِالنَّوْحِ يا عَمَّةْ؟
رُوحِي فِدَىً لسقاة النَّخلِ مِنْ مُضَرِ
لا يَقبلونَ عَـزَاءً في دَمٍ هَـــدَرِ
مَضَوا فَكِدْتُ أَنَا أَمْضِي عَلَى الأَثَر
ِ لا أَفْهَمُ الفـَرقَ بِيْنَ النَّخْلِ والبَشَرِ
كلا الفريقينِ فيه التَّمْرُ والحَشَفُ
تَقُولُ نخلُ العراقِ الحَـقُّ ذُو غُـرَرِ
نِعْمـَ البُكَـاءُ إِذا لم يُـودِ بالنَّظَـرِ
ولم يُؤَخِّرْكَ عن ثَارَاتِكَ الأُخَـــرِ
مَتَى مَشَى الدَّهْرُ من قَوْمِي عَلَى حَذَرِ
حَلَّ لهم من دُمُوعِ العَيْنِ ما ذَرَفُوا
كُفًّوا لِسَانَ المراثِي إنها تَرَفُ
***
عَنْزَةٌ تَتَعَثَّرُ بَيْنَ الخرائبْ
وكانت إذا عَنْزَةٌ عَثَرَتْ بالعِراق
يَظَلُّ لها عُمَرٌ لا يَنَامْ
فَكَمْ عَثَرَتْ فِيهِ مِنْ أُمَّةٍ
وَكَمْ مِنْ أَمِيمٍ وَكَمْ مِنْ إِمامْ
وَكَمْ مِنْ إِلهٍ أُطِيحَ بِهِ
وَكَمْ مِنْ إِلهٍ أُقِيمَ فَقَامْ
عَنْزَةٌ تَتَعَثَّرُ بَيْنَ الخرائبْ
وَتَبْحَثُ في ما تَبَقَّى مِنَ المُتْحَفِ الوَطَنِيِّ بِبَغَدَادَ
عَنْ عُشْبَةٍ أو وَثِيقَةْ
وَلا فَرْقَ إِنْ جَاعَتِ العَنْزُ بَيْنَهُمَا
وَلا فَرْقَ بَيْنَهُمَا في الحقِيقَةْº
عُشْبَةٌ في الخرابِ تُوَثِّقُهُ
أو وَثَائِقُ في الرمل تُوْرِقُه
رُبَّما كَانَتِ العَنْزُ أَهْدَى
فَخُلُّوا الطَّرِيقَ لها
والطَّريقَةْ
يُحكَى أن "نبو" إلهَ الحكمةِ في بابلَ أُلْقِيَتْ فيه عِلَّةُ العشق، فرأى أوَّلَ ما رأى عنزةً فعشقها. اقترب منها، فارْتَعَبَتْ من طولِه وعرضِه، هَرَبَتْ فتبعَها. الإلهُ يركضُ وراءَ العنزة، والعنزةُ لا تفهمُ ما يريدُ الإله. ثم إن فهمت، فهي لا تريدُهُ زوجاً :كيف لإلهِ الحكمةِ أن يمنحَها عنزاً صغاراً ويناطحَ عنها الكباش، العنزةُ لا تريده. والإلهُ يريدُ العنزة.
وارتبك مَجْمَعُ الآلهة:
إنليل: قَتَلَنا ذلك المجنونُ، أضاعَ سمعتنا. نحنُ الذينَ لا ترانا العيونُ إلا وهماً، أصبحنا نُلَمْلِمُهُ كل عَشِيَّةٍ يركضُ وراءَ العنزِ في الزرائب. أضحكَ أسنانَ الفلاحينَ، تلك التي لا ينظفونها أبداً، علينا. جرَّسنا ذلك الأبله، فماذا نصنعُ بِه...إلهٌ يحبُّ عنزة، اين شرعُهُ وشرعِيَّتُهُ إذن!!
آنو: دَعْكَ من حديثِ الشرعيَّةِ هذا يا عَزيزي، فأنت تعلمُ أنَّهُ لولا طيبةُ قلبِ هؤلاءِ العبادِ، لما كُنَّا ولا بقينا. أنتَ تَعلمُ أنَّنا خَوفُهُم ورَجَاؤُهم ، مضافونَ إلى ضمائرِهم فلا نكونُ إلا بهم. أنتَ تَعلمُ ما شرعِيَّتُنا، فَعَدِّ عن هذا الحديث، نحنُ لسنا شيئاً.
إنليل: مَهْ، نحنُ نُجْرِي البحارَ، ونقودُ السحابَ، ونُخْرِجُ النباتَ من الصخرِ ونستولدُ البرقَ رعداً والرعدَ ماءً، وأنتَ تقولُ لسنا شيئاً، أين يُذهبُ بِك؟
آنو: أنتَ أدْرَى، البحارُ تجرِي والسحابُ يسرِي والنباتُ يَخْرُجُ مِنَ الصَّخرِ، وأنتَ واللهِ ما تُحسِنُ أن تُعِدَّ فَطُورَك، نحن لسنا شيئاً.
إنليل: بلى وحقِّ أبيك. نحنُ ظنُّ الناس، نحنُ الظنُّ، وما أدْرَاكَ ما الظنُّ، الظنُّ مُجرِي السحابِ ومخرجُ النباتِ من الحَجَرْ. نَعَمْ، أدري أنْ لا شيءَ يملأ ُالفراغَ ما بينَ البِساطِ الأسودِ والخيمةِ الزرقاءِ، لكنَّ ذلك اللاشيءَ هو الذي يمسِكُها أن تَنْهارَ على رؤوسِ الناس. نحن الهواءُ حولَهُ ماءٌ، وعلى الماءِ الأرضُ وعلى الأرضِ الناسُ...
آنو: فقاعةٌ إذَنْ!
إنليل: إن شئتَ، لكنها فقاعةٌ تُدْعَى العالَمَ يا جُعِلْتُ فِداك. وهذا الأبلهُ الأرعنُ ، يُخَاطِرُ بنا على قَرْنِ عنزةٍ، تُعَفِّر على عَقِبَيها ولا تفهمُ الحديث!
آنو: نحن لا شيئ، والعنزةُ شيء، محقةٌ العنزةُ في رفضِ أخينا وزميلِنا الأُستاذ، العنزُ أرفعُ منَّا مقاماً، نحنُ الظنُّ، نحن الكلام، نحن اللغة، لا شيئ سوى اللغةِ، أتنطحُ اللغة؟ هل ترى إذا جَعَلْتَ اللغةَ في حقلٍ من الشعيرِ والبرسيم، أينقصُ البرسيمُ شيئاً؟ خبرني إنليل، هل منعتَ فيضاناً عن عبيدِك؟ هل سقيتهم ماءً حين استسقَوك؟ هل نصرتهم على عدوٍّ دهمهم؟ هل خلقتَ الحُبَّ في قلبِ معشوقةِ شاعرٍ قتلَ نفسَهُ لأنها تحبُّ زبَّالاً عوضاً عنه؟ خبرني إنليل، هل فَعَلْتَ إلا أن وزَّعتَ الأسماءَ كالقهوةِ في المآتمِ والحلوى في الأعراس؟ أسميتَ الفيضانَ غضباً، والقحطَ حرباً بينك وبيني، وعزوفَ المرأةِ ذنباً تُحْرَقُ من أَجْلِهِ على مذبحِك، وموتَ الشاعرِ استشهاداً يكونُ لأجلِهِ قبرُهُ معبداً لك. أنتَ تُوَزِّعُ الأسماءَ يا إنليل، نحنُ أسماءُ نوزِّعُ أسماءَ ولولا الأسماءِ لَصِرْنا تماثيلَ من حَجَرٍ عاطلةً عن العملِ يا إنليل. والعنزةُ عنزة، سمِّها بَبَّغاءَ، قرداً، بحراً، غضباً، سحراً، أزمةً، قرباناً، فواللهِ ما تُغَيِّرُ نَغْمَةً من ثُغَاءِها، ولا حَرَكَةَ فَكَّيها إذْ تَمْضُغُ العَشْبَ ولا نَتَنَ رِيحِها، ولا غُلْمَتَها للكِباش، ولا طَعْمَ لَبَنِها، العنزةُ عنزةٌ وسمَّها ما شِئْت. العنزةُ أكبرُ مِنَّا مَقَاماً.
إنليل: أنتَ إلهٌ لا يَعرِفُ ما يقول، إن نَكُنْ خَيالاً فلسنا هراءً ولا هذيانا، وإن نكن مجازاً فلسنا كذباً ولا بهتانا، فَكَِّرْ في الكُهَّان، إن كانوا سَحَرَةً أم أَطِبَّاءَ، واللهِ لايعالجونَ الناسَ إلا بأسمائنا، فإن لم يقدِرُوا على شفاءِهم فَبِنا يجعلونَ الداءَ محتملاً والعيشَ ممكناً ولو إلى حِين، ماذا يصنعونَ بدونِنا، ما تَصْنَعُ امرأةٌ تؤمنُ أنَّ ابنَها ذا السنواتِ العشرِ والذي لن يَكْبُرَ ابداً أصبحَ نخلةً في فناءِ معبدِك، ما يَصْنَعُ الرجالُ الذينَ حاربوا وانهزموا وما عاشوا إلا لتنصرَهم في الجولةِ القادمة، ما يَصْنَعُ الذينَ حاربوا وانتصروا وما حاربوا إلا في سبيلِك، ما يَصْنَعُ المحاصرونَ إذا انسدَّتْ كلُّ الطُّرُقِ إلى مَدِينَتِهم إلا تلكَ التي تؤدِّيهم إلى النُّجوم، اصْبر يا أخي إن للعالمِ حقاً عَلَيْك...
آنو: وفيمَ الصبرُ وعَلامَ!! هذه كلُّها جرائم، أخوكَ الآخرُ يلاحقُها في الزرائب، لا غروَ إنَّهُ إلهُ الحِكْمَة، أتريد أن يرمِيَنا الناسُ بالحجارة. تعالَ نَكْنْ عَنْزاً...عسى أن يغفرَ لنا عبيدُنا ما صَنَعْنَا بهم
إنليل: وكيفَ نكونُ عنزاً...أنقدر؟.
آنو: ألم أقل لك؟ لا نقدرُ على شيء. يا إنليل، هل أنتَ قادرٌ أن تكون؟...
إنليل: قادرٌ أن أكونَ إلهاً.
آنو: ليس عن هذا سألتك، هل أنت قادرٌ أن تكون...عنزة
أنليل: عنزة!
آنو: نعم عنزة، أتقدر أن تكون عنزة؟ أتقدر أن تكون أسداً، بقرةً، حماراً، بَكَرَةً على بئرٍ، قفلاً، مفتاحاً، حذاءاً، يا إنليل، هل أنتَ قادرٌ أن تكون؟
أجب!
عَنْزَةٌ تَتَعَثَّرُ بَيْنَ الخرائبْ
تَجُوزُ مِنَ المتحفِ الوَطَنِيِّ إلى المَكْتَبَةْ
وَتَبْحَثُ عَنْ مُصْحَفٍ أعَجَزَ النَّارَ أَنْ تَنْهَبَهْ
فَلَمَّا خَبَتْ عَنْهُ أَشْعَلَ أَحْرُفَهُ في الظَّلامْ
كَأَنَّ الزَّخَارِفَ في جَانِبَيْهِ مُنَزَّلَةٌ كَالكَلامْ
تَرَكْنَ اللَّياليْ مُشَكَّلَةً مُعْرَبَةْ
عَنْزَةٌ تَتَعَثَّرُ بَيْنَ الخرائبْ
تَجُوزُ مِنَ المتحفِ الوَطَنِيِّ إلى المكْتَبَةْ
قالَ أبو منصُورٍ الحلاَّج:
حبيبي اختراعٌ لئيمْ
هُو موجودٌ ما كنْتَ خائفاً منه أو راغباً فيهْ
موجودٌ ما كنْتَ محتاجاً إليهْ
فإن غَضِبْتَ عَلَيهْ
لم يَعُدْ موجوداً
وَوَاللهِ لا يكونُ الحبيبُ إلا هَكَذَا
مجازاً يرامُ ولا ينالْ
ليسَ به نَقْصٌ ولا كمالْ
من شكَّ عندي فقد آمَن
واليقينُ ضَلالْ
حبيبي مجازٌ لا يُنالْ
ليس به نقصٌ
ولا كَمَالْ
أُحِبُّهُ حُبَّاً وَرَبِّ الكَعْبَةْ
مِنْ مِثْلِهِ اْسْتَعْفَى النَّبِيُّ رَبَّهْ
وَلا أَرَاهُ آمِنَ المَغَبَّةْ
أُحِبُّ إِلْفِي وَأُحِبُّ حُبَّهْ
يَجْمَعُ لي جَفَاءَهُ وَقُرْبَهْ
كَأَنَّهُ الهِلالُ فَوْقَ القُبَّةْ
أَوِ النَّدَى بَيْنَ خُيُوطِ القِرْبَةْ
أَوْ لَمْعَةٌ مَرَّتْ بِرَأْسِ حَرْبَةْ
أَهْواهُ إِنْ يَأْبَهْ وَإِنْ لم يَأْبَهْ
هَوَىً حَوَيْتُ شَرْقَهُ وَغَرْبَهْ
وَدَمْعَ عَيْنٍ مَا كَفَفْتُ غَرْبَهْ
يا غُرْبَةَ الدَّارِ وَدَارَ الغُرْبَةْ
وَيْحَ الفَتَى، إذا أَطَاعَ قَلْبَهْ
جَرَّ عَلَيْهِ قَتْلَهُ وَصَلْبَهْ
قال:
لا يكون الذنب ذنباً إلا إذا تبرَّأَ منه مرتكبُه، فإن أحبه واعتقده صار قولاً له ورسالةً منه، وما نبيُّ قَومٍ ورسولهم إلا مجرماً عندهم،
كانوا مؤمنين قبل أن يَتَنَبَّأْ، فلمَّا جاءَه الوحيُ انقلبوا في التاريخ كُفَّاراً، ألا تراه أوجعهم بها، ألا تراهم جرَّمُوه عليها،
لكنه أحبَّ جريمته تلك، حُبُّهُ لهم جَرِيمَتُهُ في حقهم وإن أهداههم خَيْرَ الدارين، وجَرِيمَتُهُ في حقهم حُبُّهُ لهم وإن سفك دماءهم،
أَحْبِبْ جريمتَكَ يا أخي تَفُزْ بها والحقُّ حقٌّ على الوَجْهَيْنْº
نَادَيْتُ بَغْدَاداً وَأَهْلَ بَغْدَادْ
عُمْرِي إذا أَنْقَصْتُمُوهُ يَزْدَادْ
الحقُّ في عَبَاءَتِي والأَشْهَادْ
ما حِدْتُ عُنْهُ طَرْفَةً وَلا حَادْ
أَوْقَفَنِي عِنْدَ اْلْتِقَاءِ اْلأَضْدَادْ
حَيْثُ اليَقِينُ يَلْتَقِي بِالإلْحَادْ
أنا وشَكِّيْ ظَبْيَةٌ وصَيَّادْ
يَصْطَادُني يَوْماً ويَوْماً أَصْطادْ
كَفَّاً بِكَفٍ للصَّلِيبِ نُقْتَادْ
لا سامَح اللهُ الهَوَى ولا كادْ
ثم قال حين صلب:
حَبِيـبي أيُّهـا القَمَــرُ المُنِيرُ
بِحُسْنِكَ مِنْ جَفَائِكَ نَسْتَجِيرُ
أَتَهْجُـرُنَـا وَأَنْتَ لَنَــا أَمِيرُ
إِذَا مَا اْشْتَدَّ في الدَّهْـرِ النَّكِيرُ
أَيَا مَنْ نَرْتَجِيهِ في النَّوائِبْ
دَعَوْتُكَ إِذْ بَلِيتُ وَحَـانَ حَيْنِي
كَطِفْلٍ ظَلَّ مَرْفُــوعَ اليَدَيْنِ
لِتَرْفَعَنِي إِلَيْـكَ بَغَيْمَتَيْـــنِ
فَلَمْ أَرَ عِنْدَمَــا قَلَّبْتُ عَيْنِي
سِوَى عَنْزٍ تَعَثَّرُ في الخرائِبْ
مَا عَنْزَةٌ عَثَرَتْ بَلْ سَيِّدِي عَثَرا
ظَلَّ وَقَدْ بَرَزَ الأَعْدَاءُ مُسْتَتِرَا
يَا عَنْزَةً أَرَّقَتْ عَنْ نَوْمِهِ عُمَرَا
أَسْتَوْدِعُ اللهَ في بَغْدَادَ لي قَمَرَا
باِلكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ"
ما زَالَ مَوْلايَ يُدْنِينِي وَيَرْدَعُـني
أَطْلُبُ مِنْهُ اْرْتِيَاحَاً وَهْوَ يُوجِعُني
فَحِينَ أَيْقَنْتُ مِنْ أَنْ لَيْسَ يَسْمَعُنى
"وَدَّعْتُهُ وَبِوُدِّي لَوْ يُوَدِّعُــني
صَفُو الحياةِ وَأَنِّي لا أُوَدِّعُهُ"
مات أبو منصور غَيْرَ منصورٍ بالحق بين بُردَيْه
جنازتُه عَنْزَةٌ عرجاء
مات كافراً وشاكاً ومؤمناً معاً
تاركاً وجعاً
كالوشم الأخضر في وجه السماء
لم يبق منه إلا فُضُولُ المستشرقين
ومُرَاوَحَةُ الشعراء يُفاصِلونَ التاريخَ في سوقِ الأقْنِعَةْ
أمَّا ما كان من أمر المندوب السامي ببغداد
فما إن عُلِمَ لَدَيْه
أن أَحَدَ أهلها كان يخفي الحقَّ في عباءته
حتىأصدر مُذَكِّرةً بالقبضِ عليه
وما يزالُ الجنود
يُفَتِّشونَ كل عباءةٍ تمرُّ بهم
إلى يومِ الناسِ هَذَا
يا أَهْـلَ بغـدادَ يا أَهْـلَ المرؤاتِ
الحقُّ فيكم صحيحُ الوَصْفِ والذَّاتِ
لا في الأَرَاضِي ولا فَوْقَ السَّمَاواتِ
يا بَارَكَ اللهُ في تلكَ العَبَاءاتِ
يا قَطْرَةً كُلُّ بَحْرٍ مِنْكِ مُغْتَرَفُ
قُولُـوا لمـن أَرَّقَـتْهُ عُثْرةُ الشَّــاةِ
كم عَثْرَةٍ كَشَفَتْ طُرْقاً خَفِيَّاتِ
ما غَيْرُكُـمْ سَوْفَ يـَأْتِي بِالإِجَابَـاتِ
فَرُبَّ مَكْسُورَةٍ تَهْدِي الصَّحِيحَاتِ
هَدْياً وَرُبَّ صَلاحٍ جَرَّهُ التَّلَفُ
هَلْ يَسْمَعُ الصَّوتَ مَنْ في مِصْرَ والشَّامِ
إنَّ أَصَحَّ الجِراحِ الظَّاهِر ُ الدَّامِي
يا كاتِـمَ الجُـرْحِ مِـنْ عَامٍ إلى عَام
ِ فَلْيَعْرِفِ المرءُ مَنْ مَندُوبُهُ السَّامِي
فإنَّها سـُبَّةٌ أن يُعْبَدَ الخَزَفُ
كُفًّوا لِسانَ المراثي إنها تَرَفُ
***
رأيتُ المحـرَّمَ يمشـي وحيـداً
ينادي ألا لا إلـهَ سِـواكْ
ثقيلاً كأنَّ السمـاءَ حديــدٌ
خفيفـاً كأنَّ البلاد َ شِرَاكْ
يُرِيدُ الرَّحِيـلَ لكلِّ الجِهـاتِ
كَأَنْ لا نجاةَ لَهُ أو هَـلاكْ
عَلَى ظَهــْرِهِ كُـلُّ مِيراثـِه
يجوبُ البِلادَ جَوابَ الملاكْ
يَقـُولُ السـلامُ عَلَيكُـم هُنَا
وَيَقُولُ السلامُ عَلَيْكُم هُنَاكْ
***
دَعُوني أنا الشَّهْرُ الحرامُ المحرَّمُ
دعوني دعوني لا عَفَا اللهُ عَنْكُمُ
أنا أَلَـمٌ طِفْـلٌ أَدَمْتُمْ طُفُولَتي
وَلا أَلَمٌ إلا يَشِــيخُ وَيَهْرَمُ
خُذُوا حُرْمَتي عَنِّي فَإِنَّي سَئِمْتُها
تَشِي بِيَ مِنْ دُونِ الشُّهورِ وَتُعْلِمُ
تُخَبِّرُكُمْ أَنِّي ضَعِيـفٌ بِحُبِّكُمْ
فَيُؤْلِمُني ما لَيْسَ للشَّهْرِ يُؤْلِمُ
أَرَاكُم وباقي أشْهُرِ العامِ لا تَرَى
كَذَلكَ أرزاقُ الشُّهـورِ تُقَسَّمُ
فلو لم أكنْ شَهْراً حَراماً مَرَرْ
تُ في مَصَارِعِكُمْ مَرَّ الصَّـبا أَتَرَنَّمُ
ولم أَمْشِ كالمجنـونِ كُلَّ عَشِيَّةٍ
عَلَى كُلِّ شِبْرٍ في الفَلاةِ أُسَلَّمُ
أُكَلِّمُ مَوْتَى في البـلادِ كأنَّهُم
هُمُ الأرضُ إلا أنها ليـسَ تَفْهَمُ
فَلَوْ فَهِمَتْ كَفَّتْ رَحَى دَوَرَانِها
حِدَاداً على أهلِ العراقَيْنِ مِنْهُمُ
أَيَدْرِي كَثِيبُ الرَّمْـلِ إنْ كانَ أَصْلَه
صبيٌ أريبٌ أم فَقيهٌ مُعَمَّمُ
أَتَدْرِي عُرُوقُ النَّخْلِ أيُّ كَرِيمةٍ
مِنَ الناسِ تُسْقَى حِينَ تُسْقَى وتُطْعَمُ
سَــلامٌ عَلَيْكُمْ يا بَنِيَّ وَإِخْوَتي
بِمَا هَدَّني قَوْلي السَّلامُ عَلَيْكُمُ
فَقَالَتْ لَهُ الكُثْبَانُ وَهْيَ بَلِيغَةٌ:
تَحَمَّلْ أيُّها الشَّهْرُ الحـرامُ
رَعَتْكَ عُيونُ رَبٍّ لا يَنَامُ
فَإِنْ تَصْبِرْ فَقَدْ صَبَرَ الكِرامُ
وَإِنْ تَكْفُرْ فَمِثْلُكَ لا يُلامُ
تَحَمَّلْ أيُّها الشَّهْرُ الحرامُ
تَحَمَّلْ أَيُّها الشَّيْخُ الجليلُ
تَحَمَّلْ أَيُّها الطَّلَلُ المحيـلُ
تَحَمَّلْ أَيُّها الوَلَدُ الجميلُ
ولا تَعْتِبْ عَلَيْهِم أَنْ يَمِيلُوا
فَمُنْذُ مَتَى رَأَيْتَهُمُ اْسْتَقَامُوا
ولا تَزْمُمْ جِمَالَكَ لارْتِحَالِ
بِنَا رِفْقَاً وَرِفْقَاً بِالجِمـَالِ
فَكُلُّ البِيدِ مِنْ نَفْسِ الرِّمَالِ
أَيَا طَيْراً تَنَقَّلَ في الأَعَالي
تَسَاوَى في الأَسَى يَمَنٌ وَشَامُ
أَتَطْلُبُ تَحْتَ صَوْمَعَةٍ مَلاذَا
هُرُوبَاً مِنْ مُصَابِكَ وَاْنْتِبَاذَا
فَلا وَاللهِ لا يُجْدِيكَ هَـذَا
سَتُبْكِيكَ السَّمَاءُ بَكَتْ رَذَاذَا
وَيَقْتُلُكَ النَّخِيلُ أَوِ الحَمَامُ
وَتَتْبَعُكَ الرِّياحُ بِكُلِّ وَادِي
عَلَى أَسْمَاءِ مَنْ قُتِلُوا تُنَادِي
وَيَتْبَعُكَ الحَوَاضِرُ والبَوَادِي
فَرِفْقَاً يا مُحَرَّمُ بِالعِبَــادِ
أَقِمْ مَعَنَا وَإِنْ صَعُبَ المُقَامُ
أَقِمْ مَعَنَا عَسَانا نَسْتَطِيـعُ
حِفَاظَاٌ لِلْقَلِيلِ فَلا يَضِيـعُ
عَسَاهُ يَسْمَعُ اللهُ السَّمِيعُ
فَنَنْجُو حِينَ يَأْتِينا الرَّبِيعُ
وَمَرَّ عَلَى الغُزاةِ هُنَاكَ عامُ
فَإِنْ وَخَزَتْكَ لَيلَةُ سَبْعَ عَشْرَةْ
وَعَادَتْ مَرَّةً مِنْ بَعْدِ مَـرَّةْ
فَلا تَلْجَأْ لِصَوْمَعَةٍ بِقَفْـرَةْ
فَكُلُّ الأَرْضِ بَغْدَادٌ وَبَصْرَةْ
وَكُلُّ نَدَىً عَلَى زَهْرٍ إِمَامُ
أَقِمْ مَعَنَا وَخُذْ هَذَا الحسامَا
وَخُذْ ثَأْرَ الَّذِينَ قَضَوْا نِيامَا
أَقِمْ وَاْقْرَأْ عَلَى القَوْمِ السَّلامَا
أَلا للهِ يا شَهْراً حَــرَامَا
أُحِلَّ لَهُ القِتَالُ وَالاِنْتِقَامُ
وَنَعْرِفُ أَنَّنَا شَرًّ المـوالي
وَلَكِنَّ الظَّلامَ أَبُو الهِــلالِ
وَمَا فَضْلُ السَّلامِ عَلَى القِتـالِ
إذا ضَاعَتْ كَرَامَاتُ الرِّجَالِ
عَلَيْكَ صَلاةُ رَبِّكَ وَالسَّلامُ
إخْتفَى المحرَّم في ليلته السابعةَ عَشْرَةْ
وَوَزَّعَتْ قُوَّاتُ الاحتلالِ مناشيرَ فيها صُوَرٌ مُفترضةٌ لَه
في زِيِّ شَيخٍ عربي
طالبٍ جامِعي
أو امرأةٍ مُنَقَّبَة
فإن رأيتم خَارِجَاً مُلَثَّماً يَسْتَعرِضُ الناس بالسَّيف
في الشارع أو في السجن
في قُبِّةٍ تحت الحصار
أو على شاشاتِ القنواتِ الفَضَائيَّة
فقبِّلوا يَدَيْهِ وَقَدَمِيهْ
وَمَا بَيْنَ عَيْنَيْهْ
وَسَلِّمُوا عَلَيْهْ
سلاماً كثيراً
قام المحرَّمً للحــدَّادِ يأمُرُهُ
بصُنْعِ سيفٍ على الأيَّامِ يَنْصُرُهُ
والعامُ لا تَتَسَاوَى فِيهِ أشْهُرُهُ
لا شَهْرَ إلا وهذا الشَّهْرُ يَكْبُرُهُ
جَدٌّ يُقَاتِلُ والأحفادُ تَرْتَجِفُ
شمسَ المحرَّمِ لا نَرْضَى بتَغْرِيبِ
حتى نقومَ بحقِّ المُرْدِ والشِّيبِ
يا خاضباً لا بحَنَّاءٍ ولا طيبِ
الشمسُ مردودةٌ فَوْقَ المحاريبِِ
هنا إلى أن يُقامَ المَيْلُ تَعْتَكِفُ
الشمسُ مردودةٌ والليلُ منكفئُ
وكلُّ مَنْ جُرِحُوا مِنْ جُرْحِهِم بَرِئُوا
والصُّبحُ طِفلٌ نُنَادِيهِ ويختَبِئُ
فإن سَكَتْنَا قَلِيلاً، قالَ ما النَّبَأُ
وصارَ يبحَثُ عَنَّا وَهْوَ مُلْتَهِفُ
الصُّبحُ تِلْمِيذُنا مُنْذُ اْمْرِئِ القَيْسِ
حمامةُ الغارِ ما خَافَتْ مِنَ القَـوْسِ
قامت تُعَدِّلُ رأيَ الغُصنِ في الميْــسِ
طفلٌ يُراوِحُ بَيْنَ الحُمْقِ والكَيْسِ
لنا بِهِ، ولَهُ أيضاً بنا، شَغَفُ
أهل العراق فلا عَزَّت أعاديكم
وظلَّ رَبِّي يُوالي من يُواليكـم
مهديُّكم في المرايا بَيْنَ أيدِيكم
مهديُّكم فَاْعْلَمُوا أَنْتُم وَهَادِيكم
وما عَلَى غَيْرِ هَذَا جَفَّتِ الصُّحُفُ
كُفُّوا لِسانَ المراثِي إنها تَرَفُ
***
تمدَّدَ هذا السُّرادِقُ جِدَّاً
كساءُ النَّبِيِّ يَضُمُّ الجميعَ
ستارٌ مِنَ الكَعْبَةِ انْشَدَّ كالدُّفِّ حَوْلَ الخَرِيطَةِ
جَدٌّ يُؤَجِّلُ خَوْفَ الصِّغَارِ مِنَ الصَّوْتِ بِالبْابِ
والصَّوْتُ بِالبابِ يَدْنُو
وفي الدَّاخِلِ المسلمونَ جميعاً
يُغَنِّي العَجُوزُ لهم كي يَنَامُوا
وَيَعْرِفُ أَنْ لنْ يَنَامُوا
وهذا الزَّمَانُ له بُحَّةٌ إذ يُغَنِّي
عِراقِيَّةٌ لَهْجَةُ الحُزْنِ أَصْلاً
ألا أيُّها الحُزْنُ مَنْ سَبَّبَكْ
وَفَوْقَ الخَلائِقِ مَنْ رَكَّبَكْ
ألا أيُّها الحُزْنُ مَنْ دَرَّبَكْ
أَنْ تُغَنِّيَ مُسْتَرْسِلاً هَكَذَا
فَيَا دَهرُ كُفَّ الأَيَادِيَ عَنْهُمْ قَلِيلاً
وَحَسْبُكَ يَا دَهْرَهُمْ أنَّهُمْ
كَرَمَاً
عَلَّمُوا الحُزْنَ أَنْ يُطْرِبَكْ
لِذِكْرِهِم لا للعَذْلِ إِطْراقي
يا عاذِلي وانْسِرابُ آمـاقي
مَنْ كانَ ذَا شَوقٍ واحِدٍ فَأَنا
أَقَمْتُ في الصَّدرِ عِيدَ أَشْواقِ
بَلا إلهي قيساً بِوَاحِـدَةٍ
مِنَ المَها وَاْبْتُلِيتُ بِالبَــاقِي
أَنَاْ سْلِيمَانْ وَاحْبَابِي بَلاقِيسْ
عَشَرْ أَذْرُعْ جَدَايِلْهِنْ بَلا قِيسْ
إلهي بْوَاحِدَةْ مِنْهِنْ بَلا "قيسْ"
وَاْنَا رَبِّي بَلانِي بِالبَقِيَّةْ
تَحَمَّلَ رَكْبُ الصُّبْحِ حَتَّى أَضَــلَّهُ
بِرَمْلَةِ بَكْــرٍ، كَاهِنٌ وَدَلِيــلُ
فَللَّه رَكْبٌ يَسْتَقِلُّ بمُهجَـــتي
تَمِيلُ بِهِ الأَيَّامُ حَيْثُ تَمِيــــلُ
أَقُومُ بِحِمْلِ العِيسِ لَوْ سَمَحَتْ بِهِ
وَحِمْلِي عَلَى ظَهْرِ الجِمَالِ ثَقِيلُ
تِشَابَهْ لِيلِي مِنْ هَمِّي وَظُهْرَايْ
وَاْخَبِّي الهَمِّ في قَلْبِي وَاْظِهْرَايْ
وَلَكْ يَا هَا الجَمَلْ ظَهْرَكْ وظَهْرَايْ
تِشِيلِ حُمُولِيْ وِحْمُولَكْ عَلَيَّهْ
أَقُولُ لدَمْعَةٍ بِالعَيْنِ حَــارَتْ
عَلَيْكِ العارُ ما لَكِ لم تُراقِـي
إذا ما كُنْتِ عالِمَةً فَقــُولي
أَلا كَمْ كَرْبَلاءً بِالعِــــراقِ
هَوَاكُم سَار مَعْ دَمَّي بِاْلِعْرَاقْ
نَخِلْ سَارِحْ وَاْكُو مِنْجَلْ بِاْلِعْرَاقْ
أَلا كَمْ كَرْبَلا صَارَتْ بِاْلِعْرَاقْ
وَكَمِّ حْسِين دَاسَتْ خِيل أُمَيَّةْ
أَمِيرَ المؤمنينَ خَـلاكَ ذَمٌّ
أَتَدْرِي ما أَصَـابَ المؤمِنِينا
زَمانٌ هَوَّنَ الأحْرَارَ مِنَّـا
فُدِيتَ، وَحَكَّمَ الأَنْذَالَ فِينا
فَمَا زِلْنَا نَلُومُ عَلَى ذَوِينا
وَنُهْدِي اْلاعْتـِذَارَ إلى بَنِينا
فَلَوْ مِتْنا وَقِيلَ لنا اْسْتَعِيدُوا
حَيَاتَكُمُ القَـدِيمَةَ ما رَضِينا
كَأَنَّا عَابِرُونَ عَلَى سِـراطٍ
إذا جُزْنَا فَلَسْــنَا عَائِدِينا
أميرَ المؤمنينَ وْإنْتَ عِدْنا
كريمِ الكَفِّ تُوفِي إِنْ تَعِدْنا
سَلِ الأرْوَاح تِرضَنْ أَنْ تَعُدْنَه
يِجَاوِبْنَكْ: عَبَرْنَا وْهَايْ هِيَّه
هَلْ أَنْكَرَ النَّاسُ أَمْرَ الموتِ أَمْ أَلِفُوا
أَمِ الرَّجالُ لَهُم مِن حُزْنِهِمْ حِرَفُ
رَأَيـْتُ زَيْنَبَ في أَصْفَادِها تَقـِفُ
تَصِيحُ يا مَنْ عَلَيْنَا دَمْعَهُمْ نَزَفُوا
كُفُّوا لِسانَ المراثي إنها تَرَفُ
أُمُّ الرَّزَايا عَنِ الأحْزَانِ تَنْهَاكُمْ
فَلْتَسْمَعُوا فَهْيَ بِالأحْزَانِ أَوْلاكُمْ
يا أُمَّتِي لا تَخَافُوا مِنْ مَرَايَاكُمْ
وَاللهِ ما قُتِلَ المقْتُولُ لَوْلاكُـمْ
فَاْلآنَ أَقْبَحُ مَا تَأْتُونَهُ الأَسَفُ
تَصِيحُ زَيْنَبُ يَا مَولايَ يَا سَنَدِي
يَا وَالِدِي وَاْبْنَ أُمَّي ثُمَّ يَا وَلَدِي
إِنَّ الحُسَيْنَ عِراقٌ حَلَّ في جَسَدِ
إنَّ العِراقَ حُسَيْنٌ آخِرَ الأَبَـدِ
وَدَهْرُهُ أُمَوِيٌّ مَا لَهُ شَرَفُ
تِصِيحِ الحُرَّةْ مِينَ اْنْدِبْ وَاْنَاخَايْ
وِمِنْ حِمْلِي الجَمَلْ بَرَّكْ وَنَاخَايْ
اْلْعِراقِ حْسِيْن مِتْجَسِّدْ وَاْنَا خَايْ
عِراقِيْ والدَّهِرْ مِنْ آل أُمَيَّةْ
قال الراوي:
قَدِمَ الفَرَزْدَقُ هَمَّامُ اْبْنُ غَالِبٍ في صِبَاهُ
مِنَ الكُوفَةِ إلى المَدِينَة
فَدَخَلَ عَلَى أَبي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ
فَقَالَ لَهُ الإمام:
يَا همَّامُ، كَيْفَ تَرَكْتَ النَّاس؟
قالَ يا اْبْنَ رَسولِ الله
قُلُوبُهُمْ مَعَكْ
وَسُيُوفُهُمْ عَلَيْكْ
والنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ الله
تِصِيحِ الحُرَّة عِنْدِيْ جْوَابْ مِنْ سَالْ
وَلا تْصَدَّقْ دَمِعْ اْلِعْيُون مِنْ سَال
مَعِي قَلْبَهْ وْعَلَيَّ السِّيف مِنْسَلّ
قَتَلْنِي وْهَمْ بَعَدْ يِبْكِي عَلَيَّهْ
مأتمٌ في البلادْ
سُرادِقُهُ الليلُ
زُخْرُفُه مثلُ حالاتِ نفسٍ يُبَدِّلُ رَبُّكَ ألوانَها
فَثَمَّ بُكاءٌ رَجَاءٌ وَثَمَّ بُكاءٌ عِنَادْ
مأتمٌ في البلادْ
سُرادِقُهُ الليلُ
فيهِ النجومُ تحاوِلُ مُرْهَقَةً أنْ تَنَامْ
والظلامْ
مثلُ عنقاءَ سوداءَ في عُشِّها تَسْتَضِيفُ الحَمامْ
مأتمٌ في البلادِ سُرادِقُهُ الليلُ
والذِّكْرُ يُتْلَى على الحاضرينْ
حُسَيْنِيَّةٌ ليسَ تَبْكِي الإِمامْ
النبيُّ على بَابِها والحُسَينُ وباقي الأَئِمَّةِ
يستقبلونَ المعَزِّينَ دونَ سَلامْ
وتحسبهم في سرادقها ولدوا واقفين
وفي الدَّاخِلِ المسلمونَ جميعاً
وصفٌ يواجِهُ صَفاً من الجالسين
كأنَّ الوجوهَ مرايا الوجوهِ
يحُِسُّونَ بالذنبِ إذ أنهم لا يزالون أحياءَ
لم يَلْحَقُوا بالحُمُولِ التي غَادَرَتْ مُنْذُ حِينْ
"أَتَأَخَّرْتُ؟" قالَ اْمْرُؤٌ لأخِيهِ،
فقالَ لَهُ :"بَلْ مَضَوْا مُسْرِعِينْ"
ينظرون إلى الأرض دوماً
كأنَّ الوُجُوهَ مرايا الوُجُوهِ
يخافونَ أن يَنْظُرُوا لِلأَمَامْ
ولكن إذا أبصرَ المرءُ وجَهَ أَخِيهِ
فذلكَ وقتُ انقطاعِ الكلامْ
فَجْأَةً، وَقَفَتْ زَيْنَبٌ في السُرَادِقِ
حَاسِرَةً، وجَمِيعُ بَنِي آدَمٍ يَنْظُرُونْ
وَقَالَتْ لهم أَنَاْ زَيْنَبُ بنتُ عَلِيٍّ
أسائلُكُم أيُّها النادِبونْ
أينَ صَاحِبُ هذا العزاءْ
إذا كان كُلُّ الرجال هنا والنساءْ
فعَلَى منْ، عَلَى مَنْ، يكونُ البُكاءْ؟
أّبحثُ عن قبرِ من نبكي فلا أَجِدُ
فالشُّهَداءُ جميعاً هاهُنا وَفَــدُوا
حَتَّى الحُسَيْنُ يُعَزِّيهِم بِمَنْ فَقَدُوا
هل ماتَ من أَحَدٍ أم لم يمت أَحَدُ
أم أنهم كلَّهم مَوْتَى وما عَرَفُوا
كُفُّوا لسانَ المراثي إنها تَرَفُ
من 9 نيسان 2003 إلى 22 آب 2004
إسم الشاعرالبلدإسم القسمالمشاهدات
تميم البرغوثيمصر☆ شعراء الفصحى في العصر الحديث8917