تاريخ الاضافة
الأربعاء، 10 فبراير 2010 02:35:08 ص بواسطة المشرف العام
0 308
جاءَت تَثنَّى مِشيَةَ المُتَبَختِرِ
جاءَت تَثنَّى مِشيَةَ المُتَبَختِرِ
فجلَت لنا ضَوءَ الصَباحِ المُسفِرِ
تمشي فتَعثَرُ في الذَّيُولِ لأنَّها
نَشوانةٌ مِن خمرِ فيها السُّكَّرِي
وتجُرُّ من حُلَلِ الحريرِ مَطارِفاً
من أصفَرٍ في أحمَرٍ في أخضَرِ
فكأنَّما أخذَ السحابُ لِقَوسِهِ
من شكلها عكساً بَدِيعَ المنظَرِ
بَرَزَت كبَدرٍ فوقَ غُصنٍ في نَقاً
تحتَ الدُّجى يَرنُو بِمُقلَةِ أَحوَرِ
وتَلَفَّتت عن جِيدِ ظَبيٍ نافِرٍ
وتَبَسَّمَت عن لُؤلُؤٍ في كَوثَرِ
وَعَطَت وَماسَت في غَلائِلِ حُسنِها
فَسَطَت عَلَيَّ بأَبيَضٍ وبأَسمَرِ
ما إن رأَينا أو سَمِعنا قبلَها
بقَضِيبِ تُفّاحٍ بِبَدرٍ مُثمِرِ
ما خامَرَت طِيباً أوانَ مَجِيئِها
ويفُوحُ منها فوقَ نفحِ العَنبَرِ
علمَت بأني في هَواها مُغرَمٌ
مُغرىً أَسِيرُ صَبابةٍ وَتَذَكُّرِ
فَرَثَت لِمُضناها وجادَت باللِّقا
مِن غيرِ مِيعادٍ ولم تَتَأَخَّرِ
ما ضَرَّهَا لو أنَّها انتَسَبَت فقد
نالَت مِنَ الآدابِ أكرمَ عُنصُرِ
وَأَتَت تُحَيِّينِي فأحيَت مَيِّتاً
بالوَجدِ إِلا أَنَّهُ لم يُقبَرِ
لم يَدرِ أَينَ فؤادُه حتّى بَدا
مِن خَدِّها الوردِيِّ خالٌ عَنبَرِي
لِلَّهِ يومٌ مُفرَدٌ في حُسنِهِ
جَمَع الإِلهُ بهِ جمالَ الأعصُرِ
باتَت يَمينُ اليُمنِ تَسقيني به
كأسَ المُنى وَالدَّهرُ بي لم يَشعُرِ
طابَ الصَّبُوحُ فقُم بعَيشِكَ فاسقِني
يَمَنِيَّةً من حِصرمٍ لم تُعصَرِ
بُنّاً تُسمَّى قهوةً لكنها
تُزرِي بها عندَ اللَّبيبِ وَتَزدَرِي
لا تنزلُ الأحزانُ في ساحاتِها
صَهبَاءَ إِلا أَنَّها لم تُحظَرِ
كم جَيشِ همٍّ قد أقَامَ بِمُهجَتي
حملَت عَلَيهِ مِنَ السُّرُورِ بعَسكَرِ
قُلِيَت فَعَرَّقَها الحَيا فَتَقَنَّعَت
مِن تِبرِها بِخمَارِ وَشيٍ أصفَرِ
قُلِيَت وَحَاشاها القِلَى لمزيَّةٍ
بالامتحانِ تُريكَ فَضلَ الجَوهَرِ
جالَ الحَبَابُ بِمائِها فكأنَّهُ
قِطَعُ الزُّمُرُّدِ في عَقِيقٍ أحمَرِ
قُم فاسقِنيها بالكَبيرِ وغنِّني
فَعَساكَ تُبردُ غلَّتي وَتَسَعُّرِي
فَطَالَما أَمسَت دُموعي خمرَتِي
وتزفُّرِي أضحَى تَغَنِّي مِزهَرِي
واهاً لِقلبي من تَجَنِّي شادِنٍ
مُتَجَبِّرٍ في حُكمِهِ مُتكبِّرِ
مُتَعَزِّزٍ مُتَمَنِّعٍ مُتَرفِّعٍ
مُتَوَحِّشٍ مُتَشَرِّدٍ مُتَنَفِّرِ
لم يُوفِ دَيني وهوَ مُثرٍ قادِرٌ
والظُّلمُ كلُّ الظُّلمِ مَطلُ المُوسِرِ
مَه يا عَذولُ فقَد طَعِمتُ مِنَ الهَوى
ما لَم تَذُق ونظَرتُ ما لَم تَنظُرِ
مَن لي بكَتمِ غرامِهِ وَجَوانِحي
تَروي صحيحَ حديثِ شَوقي المُضمَرِ
فَجَوانِحي عَن واقدٍ وأَضالِعي
عَن هاشمٍ ومَحاجِرِي عن جعفَرِ
بِاللَّهِ هاكَ ثِيابَ نُسكي عَلَّني
من شَرِّ لَومِكَ أَستريحُ وَتَسترِي
فالعُمرُ غصنٌ والشبيبةُ ماؤُهُ
وزُهورُهُ وَلَعٌ جميلُ المَخبَرِ
والمَرءُ رَبعٌ والعلومُ رَبيعُهُ
وثمارُهُ عملٌ بحُسنِ تَبَصُّرِ
وأَرى المَعالي كالنُّجومِ عزيزةً
لكِنَّما عبدُ العزيزِ المُشتَرِي
أَلقَت له عوصُ العلومِ قِيادَها
قبلَ الفِطامِ وإِنَّهُ لَبِذا حَرِي
لَو سارَ في مِضمارِهِ العَلَمُ السُّرى
عَلِمَ الوَرى يا صاحِ أيُّهما السَّرِي
إن كانَ في عَدِّ السِّنينَ تأخَّرت
أيَّامُه فَسَناهُ لم يتأخَّرِ
قَد فاقَ في حفظٍ وفَهمٍ مِثلَما
قد فاقَ في خَلقٍ وخُلقٍ أزهَرِ
بل لو جَرى معهُ جريرٌ جُهدَهُ
يوماً لَقالَ الناسُ ما هَذا جَرِي
ومَتى يخُطُّ فَما ابنُ مُقلَة كاتباً
وَمتى يقُل أَبدى صِحَاحَ الجَوهَرِي
يا ماجِداً أهدَى إليَّ لآلِئاً
مَنضُودَةً من نظمِهِ المُتَخَيَّرِ
يا للعجائبِ كيفَ نظَّمها بِلا
سِلكٍ وتثقيبٍ ولم تتنَثَّرِ
فلئِن غَدَت في طِرسِها دُرّاً عَلى
صَدَفٍ فيُمناهُ كخمسَةِ أَبحُرِ
نظمٌ كساني حُلَّةً من سُؤدَدِ
تَبلى اللَّيالي وهيَ لم تَتَغَيَّرِ
سَقياً لِرَبعِ الكُوتِ كَم قد حازَ من
حَبرٍ بأنواعِ النَّدى مُتَفَجِّرِ
ما الكُوتُ إِلا رَوضَةٌ قد أثمرت
بِبُدُورِ تِمٍّ فضلُها لم يُنكَرِ
تَاللَّهِ أَفتأُ ناشِراً مِن ذِكركُم
شيئاً يَطيبُ بهِ حديثُ السُّمَّرِ
ولَقَد سَمَوتَ إِلى العَلاءِ بِهمَّةٍ
أَقدامُها مِن فوقِ هامِ الأَنسُرِ
وَرَشَفتَ راحَ الفخرِ غيرَ مُحَرَّمٍ
وَقنَصتَ صَيدَ المجدِ غيرَ مُنَفّرِ
وَرَعَيتَ رَوضَ العِلمِ غيرَ مُزاحمٍ
وَوَردتَ حوضَ البِرِّ غيرَ مُكَدَّرِ
كَم فاضِلٍ فيهِ العيونُ تَنَافَسَت
لكِن بحيثُ إِليكُم لم تَنظُرِ
فإِليكَ مِن أَبكارِ فِكرِي غادةً
من عَسجَدٍ صِيغَت وَمِسكٍ أَذفَرِ
قَد ضاعَ منها نشرُ ذكرِ جمالِكُم
لكنَّهُ ما ضاعَ عندَ المُبصِرِ
يا ربِّ صلِّ عَلى الذي قِدماً به
نظمُ الرِّسالةِ تَمَّ وارحَم واغفِرِ